فيما تشهد المؤسسات الخاصة إقبالا كبيرا عليها
الدروس الخصوصية هاجس الأولياء مع كل دخول تربوي
- 158
رشيدة بلال
تعرف مختلف المدارس الخاصة حركة غير عادية قبيل الدخول المدرسي، بالنظر إلى التوافد الكبير عليها من طلبة البكالوريا، والتلاميذ المقبلين على اجتياز شهادة التعليم المتوسط، للتسجيل في مختلف الدورات، وحجز مقاعد للمراجعة والتحضير، وهو ما دفع بمختصين في علم الاجتماع التربوي، للفت الانتباه إلى هذه الظاهرة، من خلال تقنين وتأطير الدروس الخصوصية؛ حتى لا يفقد النظام التعليمي والمؤسسات التعليمية مع مرور الوقت، ثقة التلاميذ وأوليائهم فيها، كمؤسسة رسمية تضمن مبدأ مجانية التعليم، وتسعى لتحقيق الجودة التعليمية، والارتقاء بالمنظومة التعليمية في الجزائر.
في الوقت الذي شرعت بعض المدارس الخاصة خلال شهر أوت المنصرم، في استقبال وتنظيم دورات المراجعة المجانية لاستقطاب أكبر عدد من الراغبين في رفع مستواهم قبل الدخول المدرسي، سارع بعض الأساتذة أيضا، إلى إطلاق عدد من دورات المراجعة المجانية في مختلف المواد؛ من أجل استقطاب أكبر عدد من التلاميذ، والاستعداد المبكر قبيل العودة إلى مقاعد الدراسة.
وفي المقابل، سارع الأولياء والتلاميذ إلى التسجيل. والغريب أن بعض المتمدرسين سجلوا في أكثر من مؤسسة؛ لضمان مقاعدهم، خاصة أن بعض المدارس تحوز على أساتذة يُشهد لهم بالكفاءة. والأكثر غرابة أنه أصبح من غير الممكن إقناع طالب، خاصة المقبل على اجتياز شهادة البكالوريا، بعدم الالتحاق بدروس الدعم، وكأن طريق النجاح أصبح مرهونا بضرورة المرور على هذه المحطة تحت عنوان الدعم، وهو الأمر الذي حذّر منه المختصون في علم الاجتماع التربوي.
وفي هذا الخصوص، يرى الدكتور بوعموشة نعيم، أستاذ محاضر بقسم علم الاجتماع بجامعة تمنراست، أن التوافد الكبير للتلاميذ مع بداية كل موسم دراسي على الدروس الخصوصية، جعلها تنتقل من مجرد حالة إلى ظاهرة اجتماعية. ويؤكد أنها ليست وليدة الساعة؛ كونها عرفت انتشارا واسعا، وتزايدا بشكل ملفت للانتباه خلال السنوات الأخيرة، حيث مست كل الأطوار التعليمية.
وأرجع المختص الاجتماعي هذا التوافد غير المسبوق على مدارس الدروس الخصوصية، إلى تراجع الثقة في المنظومة التعليمية، التي يرى فيها بعض التلاميذ وأولياؤهم أنها لا تلبي الطموحات التعليمية، ناهيك عن انشغال الأولياء بأعمالهم، وبالتالي عدم إيجاد الوقت الكافي لمساعدة أبنائهم على المذاكرة، وتحضير دروسهم.
ولفت المختص في السياق، إلى رغبة الآباء في أن يكون أبناؤهم من المتفوقين والحاصلين على علامات مرتفعة في مختلف المواد الدراسية، خاصة أولئك الذين يسعون لتحقيق طموح أكاديمي ودراسي أعلى لأبنائهم، وهو ما يُعد من بين الأسباب التي تدفع نحو التوجه إلى الدروس الخصوصية.
الدافع بدأ من الأسرة وانتقل إلى التلميذ
يرى المختص الاجتماعي أن تنامي ظاهرة الدروس الخصوصية لا تتحملها الأسرة فقط، بل أصبح التلميذ أيضا عاملا مهمّا في انتشار هذه الظاهرة، حيث يرغب كثير من التلاميذ في التضحية بأيام العطل في سبيل الحصول على حصص تقوية لتغطية الضعف في بعض المواد الدراسية، خاصة اللغات الأجنبية، والمواد العلمية والتقنية، بينما يلجأ آخرون إلى الدروس الخصوصية من باب “البريستيج” الاجتماعي والتفاخر، أو من باب تقليد باقي الزملاء الذين يأخذون دروسا خصوصية طيلة السنة.
وبين هذا وذاك يوضح المختص الاجتماعي أنه يمكن النظر كذلك، إلى ظاهرة الدروس الخصوصية على أنها استجابة للواقع التعليمي وتحدياته في المؤسسات التعليمية الجزائرية؛ نظرا لكثافة المناهج الدراسية، وكثرة المواد التعليمية، والاكتظاظ داخل قاعات التدريس؛ ما يشكل ضغطا إضافيا على الأستاذ في تلبية الاحتياجات التعليمية، ومراعاة الفروق الفردية للمتعلمين، وبالتالي يبحث التلميذ عن شرح أوفر، وفهم أكثر خارج أسوار المؤسسة التعليمية، فيلجأ إلى الدروس الخصوصية لتحسين مستواه؛ ما جعلها هاجسا للأسرة والتلميذ على السواء مع بداية كل موسم دراسي.
ويختم المختص الاجتماعي بالتأكيد على أن رمزية النجاح في المخيال الاجتماعي، تظهر مع اقتراب فترة الامتحانات، حيث يزداد قلق الأولياء على المسار الدراسي لأبنائهم. وتنتابهم حالة من الخوف من الإخفاق، وبالتالي يفكرون في الدروس الخصوصية كحل يضمن نجاح وتفوّق أبنائهم. وهنا تتحول الدروس الخصوصية إلى وسيلة لتخفيف القلق عن الأولياء؛ كونها في منظورهم حلا ينقذ أبناءهم من الرسوب، ولكن ينبغي التنبيه إلى وجود انعكاسات سلبية للدروس الخصوصية، سواء على الأسرة، أو التلميذ، وحتى المنظومة التعليمية ككل.
وبالنسبة للأسرة، يشرح المختص: “تجد نفسها تتحمل أعباء مالية تثقل كاهلها، ناهيك عن فقدان الثقة في المنظومة التعليمية الرسمية. أما بالنسبة للتلميذ فتبدو الانعكاسات بشكل واضح، في فقدان القدرة على التعلم الذاتي، ناهيك عن الإرهاق الشديد الذي قد يصيبه جسديا وذهنيا بسبب طول ساعات الدراسة على حساب فترات الراحة”.
وأما بالنسبة للمنظومة التعليمية، فيقول المتحدث: “تؤثر الدروس الخصوصية على مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية بين التلاميذ”؛ لذا يعتقد المختص الاجتماعي أنه “آن الأوان لتأطير الدروس الخصوصية؛ حتى لا يفقد النظام التعليمي والمؤسسات التعليمية مع مرور الوقت، ثقة التلاميذ وأوليائهم فيها كمؤسسة رسمية، تضمن مبدأ مجانية التعليم، وتسعى لتحقيق الجودة التعليمية، والارتقاء بالمنظومة التعليمية”.