صانع الزوارق الشراعية والتحف البحرية الأصيلة
الحرفي عماد بوخملة... حكاية إبداع تمتد لأكثر من ربع قرن
- 236
سميرة عوام
تعانق أنامل الحرفي والمبدع عماد بوخملة، أمواج البحر، لتنسج من دفء الذكريات وقسوة الأمواج، تحفا فنية ناطقة بأسرار الأعماق وجمال السواحل. في رحلة ملؤها الشغف والصبر، يتربع هذا الفنان على عرش صناعة السفن الشراعية والتحف البحرية الأصيلة، حاملا في قلبه روح البرح التي تسكن أنفاسه كل يوم، ليصبح اسما بارزا في قطاع الصناعات التقليدية، بعد مسيرة حافلة، تتجاوز خمسة وعشرين عاما من الإبداع والوفاء المستمر.
يؤكد عماد، الذي أحب هذه المهنة منذ أن كان في التاسعة عشرة من عمره، أن حكايته مع البحر بدأت بصدفة جميلة، عندما ساعد صديقا له كان يشتغل في البحرية، ليدرك تدريجيا أنه وُلد ليكون جزءا أساسيا من هذا الفضاء الإبداعي. يجمع هذا الفنان المبدع، كل ما يمت بصلة بعالم البحار والأصداف، موظفا بقايا وآثار الأسماك، مثل السبقال والرسكاس والروج وأنواع أخرى عديدة، لتزيين إبداعاته وإضفاء روح حقيقية، تنبض بالحياة على كل قطعة ينجزها بمهارة فائقة.
وباعتباره يسترزق من هذه الحرفة التي يحبها كثيرا، لم يكتف عماد بالإبداع الفردي، بل حرص على نقل شعلة المعرفة إلى الآخرين؛ حيث قام بتكوين العديد من الهواة والمهتمين، بالتنسيق المستمر مع غرفة الصناعة التقليدية والحرف، فضلا عن تقديم دروس تكوينية متخصصة في مراكز التكوين المهني، لضمان استمرارية هذا الفن العريق للأجيال القادمة. ولا تخلو طريق الإبداع من الصعاب؛ فالمواد الأولية لهذه الصناعة الدقيقة غالية الثمن، وصعب الحصول عليها بشكل دائم.
وفي هذا السياق، يوضح عماد أنه كان يعتمد سابقا على مادة الفيلين المستخرجة من شجرة البلوط لصناعة الأشرعة، لكن غلاء ثمنها دفعه بذكاء إلى ابتكار بدائل مميزة، حيث استبدلها بمادة تشبه الجلد لتصنيع الأشرعة بدقة متناهية، بينما يخصص الخشب الأحمر لتشكيل الهياكل والنيكل. هذه التحديات صقلت شخصيته ومنحته صبرا كبيرا؛ فالصبر هو السر الكامن وراء تحويل جذوع الخشب والأصداف إلى زورق يتمايل وكأنه تحفة فنية حية، صابرا كذلك حتى يحين موعد بيعها في مواسم الأفراح والمناسبات، وعلى رأسها فصل الصيف.
يعرف فصل الصيف نشاطا مكثفا، يستعين فيه عماد ببعض الهواة والشباب الذين يشغلهم لصناعة التحف الفنية، متطلبا ذلك تقنيات عالية ورؤية إبداعية فريدة، قبل عرضها في الأسواق أو المشاركة بها في المعارض الوطنية المختلفة. ولم تقتصر هذه الصناعة على المدن الساحلية فحسب، بل نجح في الترويج لها وإيصال سحرها حتى إلى المناطق الصحراوية العميقة، مرورا بولايات عريقة، مثل سكيكدة وقسنطينة وغيرها الكثير. وتتويجا لهذه المسيرة الاستثنائية الحافلة بالعطاء والترويج الثقافي والفني، استلم عماد بوخملة، ما يصل إلى 185 شهادة تشهد على براعته وبصمته الخالدة في عالم الفن البحري الأصيل، ليظل شعلة مضيئة تروي حكاية حب لا تنتهي بين الإنسان والبحر.