الدكتور بومدين قروي المختص في العمل الإغاثي لـ«المساء":
التضامن الإنساني واللوجيستي بحاجة لتأطير علمي ومنهجي
- 276
رشيدة بلال
❊ إطلاق أول دفعة تخصص صحفي إغاثي من جامعة الجزائر "3"
أبانت الكوارث الطبيعية التي شهدتها الجزائر، وعلى رأسها الحرائق وما خلفته من خسائر بشرية ومادية، عن الحاجة الملحة إلى عدم الاكتفاء بالتركيز على مشروع "مسعف في كل عائلة"، وإنما الانتقال إلى مفهوم أوسع يتمثل في التكوين في مجال الإغاثة الإنسانية، بإدراج تخصص قار يدرس في الجامعات ومعاهد التكوين المهني. ويأتي هذا الطرح في ظل ما أفرزته عمليات الإغاثة التي رافقت الحرائق الأخيرة، والتي، رغم ما حملته من صور إيجابية للتضامن والتآزر الشعبي، كشفت في المقابل، عن حاجة ماسة إلى مزيد من التنظيم والتأطير والتدخل وفق أسس علمية ومنهجية، خاصة فيما يتعلق بجمع المساعدات ونقلها وتخزينها وتوزيعها على المتضررين. "المساء" تحدثت إلى الدكتور بومدين قروي، المختص في الطب الشرعي والإغاثة الإنسانية، حول منهجية الإغاثة الإنسانية وضرورة اعتماد أساليب علمية، تضمن تحقيق النتائج المرجوة، بعيدا عن الفوضى والعشوائية.
❊ بداية، كيف تقيّمون الهبة التضامنية التي قام بها الجزائريون عقب الحرائق الأخيرة؟
❊ في البداية، نعزي أنفسنا وكل الجزائر في الضحايا الذين خلفتهم الحرائق، خلال هذه الصائفة، ونثمن القرارات التي أصدرها رئيس الجمهورية، والتي تعكس الطابع التضامني للدولة الجزائرية، لاسيما من خلال طريقة تعويض المتضررين، التي كانت ممنهجة ومدروسة، بما يضمن تعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم.
كما لا بد من توجيه تحية كبيرة للهبة التضامنية، التي قام بها الشعب الجزائري لمؤازرة ومساندة الولايات المتضررة من الحرائق. لكننا، كمختصين، خرجنا في المقابل، بجملة من الملاحظات المهمة التي لا بد من التوقف عندها، بهدف الارتقاء بالعمل الإغاثي، حيث تبين لنا غياب تخصص "اللوجستيك الإغاثي"، وهو ما نتج عنه نوع من الفوضى في عمليات نقل وتخزين وتوزيع المساعدات.
❊ ماذا تقصدون بتخصص اللوجستيك الإغاثي؟
❊ الطريقة التي تمت بها عمليات التضامن، كانت في أغلبها ذات طابع عاطفي، فالكل أطلق مبادرات وعمل على جمع المساعدات، لكن في المقابل، لم يكن هناك تخطيط واضح، لكيفية جمع هذه المساعدات وتخزينها وتوزيعها، وهو ما نتج عنه نوع من الفوضى.
وأكثر من ذلك، شهدنا تدفقا كبيرا للمساعدات، ما جعل بعض المواد تطغى على أخرى، ومن هنا تظهر أهمية ترشيد مثل هذه المبادرات، من خلال استحداث تخصصات جديدة، والخروج من ثقافة الإسعافات الأولية فقط، والارتقاء بالعمل الإغاثي، عبر التحكم في جملة من النقاط المهمة، لاسيما ما تعلق بالجانب اللوجستي وإدارة المخاطر ومهارات التعامل معها. ولعل أبسط مثال على ذلك الحوادث التي وقعت لبعض الأشخاص الذين تكفلوا بنقل المساعدات، إضافة إلى وقوف آخرين عاجزين أمام صعوبة نقل المساعدات، بسبب عدم وجود أماكن مخصصة للتخزين، فضلا عن صعوبة الوصول إلى المتضررين، نتيجة غياب خريطة طريق واضحة، يتم العمل وفقها، بما يضمن وصول المساعدات إلى جميع المحتاجين.
❊ ما الذي تقترحونه للارتقاء بالعمل الإغاثي؟
❊ نقترح إدراج تكوينات متخصصة في مجال العمل الإغاثي، من خلال استهداف الجمعيات المعتمدة والناشطة في هذا المجال، ومن ثم، إدراج الإغاثة الإنسانية كتخصص في الجامعات والتكوين المهني، لأن إغاثة الإنسان أثناء الكوارث، تحتاج اليوم إلى التحكم في جملة من المهارات، التي تجعل التدخل أكثر إيجابية وفعالية، وتجنب الفوضى والعشوائية.
في علوم الكوارث، تسمى هذه المرحلة بمرحلة "التأهب"، وهي المرحلة التي تتضمن كل ما له علاقة بالتحكم في إدارة الكارثة، والتعامل معها في الحالات الاستعجالية. وهذا ما نعمل عليه من خلال جمعيتنا، حيث تمكنا من تخريج ثلاث دفعات في مجال العمل الإغاثي، وتزامنت الدفعة الثالثة مع الحرائق التي وقعت مؤخرا، وكان لها دور بارز في مجال التدخل بالولايات الأكثر تضررا، وعلى رأسها ولاية جيجل.
وقد شملت هذه الدفعة، تكوين إطارات في مجال الطب، وممرضين، وحتى طباخين، وهو ما يعني أن علوم الإغاثة الإنسانية مسألة مهمة لمختلف شرائح المجتمع، ولا ينبغي حصرها في فئة مهنية دون أخرى.
❊ هل من كلمة أخيرة؟
❊ إدارة الكوارث الطبيعية، تفرض الانتقال من ثقافة الإسعافات الأولية، إلى التكوين في علوم الإغاثة، وهذا لا يتحقق إلا بإدراج تخصص الإغاثة الإنسانية، ليتم تدريسه في الجامعات ومراكز التكوين المهني، بما يسمح بتكوين أشخاص مؤهلين وقادرين على التعامل مع مختلف الأزمات والكوارث، وفق أساليب علمية ومنظمة.
ولعل الجديد أيضا، الموافقة على إطلاق أول دفعة من الصحفي الإغاثي، وهو تخصص جديد، بعد قبول المقترح من المجلس العلمي بجامعة الجزائر "3"، كلية علوم الإعلام والاتصال. ومن المنتظر أن ينطلق أول تكوين جديد في مجال العمل الإغاثي، بفلسفة الإغاثة العالمية، انطلاقا من هذا الموسم الجامعي الجديد، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو توسيع مفهوم الإغاثة، ليشمل مختلف التخصصات والمهارات المرتبطة بإدارة الكوارث والأزمات.