خبراء دوليون يؤكدون من قسنطينة:

التشخيص المبكر مفتاح لتجنب فشل الكلى والتشوهات الخلقية

التشخيص المبكر مفتاح لتجنب فشل الكلى والتشوهات الخلقية
  • 379
شبيلة. ح شبيلة. ح

أجمع الأطباء والجراحون المشاركون في المؤتمر الدولي لجراحة الأطفال بقسنطينة، مؤخرا، على أن الأرقام والإحصائيات المتعلقة بالتشوهات الخلقية عند الأطفال، تشكل مؤشرا مقلقا، يستدعي إعادة النظر في آليات التشخيص المبكر والتكفل الجراحي. 

 أكد المشاركون، أن بعض هذه الأمراض تمثل اليوم، أسبابا رئيسية لأمراض مزمنة خطيرة، قد تنتهي بزراعة الأعضاء في سن مبكرة، حيث أوضح المختصون، خلال المؤتمر الذي احتضنته قاعة المحاضرات الكبرى “أحمد باي”، بمشاركة واسعة لخبراء من داخل الجزائر وخارجها، أن البيانات السريرية المعروضة في الجلسات، كشفت حجم التحدي الحقيقي الذي يواجه جراحة الأطفال، خصوصا فيما يتعلق بالتشوهات البولية والتناسلية، وجراحات حديثي الولادة الاستعجالية، إلى جانب التشوهات الخلقية في العظام. مؤكدين أن اختيار هذه المحاور، جاء بناء على انتشارها وتأثيرها المباشر على مستقبل صحة الطفل.

من جهته، شدد رئيس المؤتمر، الأستاذ زبير عطريح، في كلمته الافتتاحية، على أن هذا الحدث العلمي لا يهدف فقط إلى عرض أحدث التقنيات الجراحية، بل يسعى إلى فهم الواقع الصحي، من خلال الأرقام وربطه بالممارسات الجراحية اليومية، بما يتيح تحسين القرارات الطبية وتقليل المضاعفات طويلة المدى.

أما رئيس الجمعية الجزائرية لجراحة الأطفال، الأستاذ رشيد بوسليم، فقد أكد أن توحيد الممارسات والمعايير الطبية في هذا التخصص الحيوي، أصبح خيارا استراتيجيا لا مفر منه، بالنظر إلى حساسية جراحة الأطفال وانعكاساتها المباشرة على صحة الأجيال القادمة، مضيفا أن الرهان اليوم، لا يقتصر على التحكم في التقنيات الجراحية فقط، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة، تضع سلامة الطفل وجودة التكفل به في صدارة الأولويات الوطنية.

وأشار بوسليم، إلى أن خصوصية المريض الصغير، وما يرافقها من انتظارات كبيرة للعائلات، تفرض على الجراحين تعاملا علميا وإنسانيا دقيقا، رغم ما يواجهه القطاع من تحديات مرتبطة بتعقيد الحالات والإكراهات التنظيمية واللوجستية، حيث أوضح أن الجمعية تعمل على تعزيز التعاون العلمي والبحثي بين مختلف الفاعلين، معتبرا أن تبادل الخبرات والتجارب، يشكل السبيل الأمثل لدمج التقنيات الطبية الحديثة، والارتقاء بمستوى الجودة والسلامة الصحية، وفق المعايير الدولية.

وشهد اليوم الأول من المؤتمر، تركيزا لافتا على أمراض المسالك البولية عند الأطفال، حيث قدم خبراء دوليون ومحليون معطيات إحصائية دقيقة حول بعض التشوهات الخلقية، وعلى رأسها صمامات الإحليل الخلفية، التي تعد من أخطر الأسباب المؤدية إلى الفشل الكلوي عند الأطفال. وذكر البروفيسور أشرف حافظ، رئيس قسم مسالك الأطفال بجامعة المنصورة بمصر، أن هذا المرض يصيب الذكور بنسبة 2.1 حالة لكل 10 آلاف ولادة، ويصنف كثاني سبب لزراعة الكلى لدى الأطفال.

وأوضح حافظ أن نحو 70 بالمائة من الحالات، يمكن تشخيصها قبل الولادة، اعتمادا على علامات تصويرية معروفة، غير أن المشكلة تكمن في تطور المرض، إذ يصاب حوالي 50 بالمائة من المرضى بأمراض كلوية مزمنة، بينما يصل ثلثهم إلى الفشل الكلوي النهائي عند سن البلوغ، ما يجعل المتابعة طويلة الأمد أمرا حتميا.

كما استعرضت المحاضرة نتائج دراسات سريرية، أظهرت أن الاستخدام المبكر لبعض العلاجات الدوائية قبل سن العام الواحد، ساهم في تحسين حالات استسقاء الكلى بنسبة تقارب 62 بالمائة، والتقليل من الارتجاع البولي بنسبة مماثلة، مقارنة بالحالات التي اكتفت بالمراقبة الطبية، محذرا من أن التدخلات الجراحية المتأخرة، قد تترك آثارا وظيفية على المثانة مستقبلا.

من جهتهم، أكد أطباء جزائريون، أن هذه الأرقام تعكس ضرورة تعزيز برامج الفحص قبل الولادة، وتكثيف التنسيق بين أطباء النساء والتوليد، وأطباء الأطفال، وجراحي المسالك البولية، لتقليص نسب المضاعفات الخطيرة. مشيرين إلى أن الإحصاءات الوطنية والدولية تتقاطع في كون هذه التشوهات تشكل عبئا صحيا حقيقيا.

وانتقل النقاش إلى جراحة العظام، حيث عرض المشاركون نسب نجاح طرق علاج حديثة، مثل طريقة بونسيتي، في تصحيح تشوهات القدم، والتي تسمح بتفادي الجراحة الثقيلة في العديد من الحالات عند التدخل المبكر، إضافة إلى مناقشة حالات خلع الورك الخلقي وتشوهات اليد، مع التركيز على النتائج الوظيفية على المدى البعيد.

سيخصص اليوم الثاني من المؤتمر للحالات النادرة والمعقدة، حيث سيقدم المشاركون معطيات دقيقة حول انسداد القنوات المرارية عند حديثي الولادة، والتوائم الطفيلية، وفتق الحجاب الحاجز الخلقي، مع عرض تجارب مراكز متخصصة من سويسرا والجزائر، لتوضيح كيف يمكن للإحصاء الطبي توجيه القرار الجراحي، ورفع نسب النجاة وجودة الحياة.

للإشارة، شهد أول يوم من المؤتمر، إقبالا كبيرا على المعرض الطبي المقام بأروقة قاعة “أحمد باي”، حيث اعتبر جراحون وأطباء ومختصون، أن دمج الجانب العلمي بالإحصائي والتقني، يمنح هذه التظاهرة بعدا عمليا حقيقيا، معربين عن أملهم في أن تترجم خلاصات المؤتمر إلى توصيات مبنية على الأرقام، تساهم في تطوير التكفل الصحي بالأطفال، وترقية جراحة الأطفال في الجزائر، وفق معايير علمية دقيقة.