حين تعجز الأسر عن تجهيز بيوتها

البيع بالتقسيط بديل استهلاكي لتخفيف الأعباء وإدارة النفقات

البيع بالتقسيط بديل استهلاكي لتخفيف الأعباء وإدارة النفقات
  • 309
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لم يعد اقتناء الأثاث والأجهزة الكهرومنزلية، بالنسبة لكثير من الأسر الجزائرية، مرتبطا فقط بقدرتها على جمع المبلغ كاملا، قبل الشراء، فقد أصبح التقسيط والدفع المؤجل، حاضرين بشكل متزايد في تفاصيل الحياة اليومية، من غرفة النوم إلى الثلاجة والغسالة والتلفاز وأجهزة المطبخ، وهي صيغة تمنح الأسرة إمكانية الحصول على ما تحتاجه في وقت أقرب، مقابل توزيع قيمة المشتريات على أشهر أو سنوات، وبين من يراها حلا عمليا يخفف ضغط النفقات الكبيرة، ومن يعتبرها التزاما ماليا قد يمتد طويلا، ويؤثر على ميزانية الأسرة، بات التقسيط جزءا من الطريقة التي يتخذ بها الجزائريون قراراتهم الاستهلاكية، أكثر من وقت مضى.

تبرز هذه الظاهرة بشكل أكبر، لدى الأسر الشابة، التي تبدأ مرحلة جديدة، بعد الحصول على مسكن، إذ لا تنتهي كلفة السكن عند دفع المستحقات أو استلام المفاتيح، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى، لا تقل أهمية، وهي تحويل المسكن الفارغ إلى بيت قابل للحياة، من سرير وخزانة وأريكة وطاولة، ثلاجة وغسالة وتلفاز ومكيف وأجهزة مطبخ، وغيرها من التجهيزات التي قد تتطلب في مجموعها، مبلغا كبيرا يصعب على الكثير من الأسر توفيره دفعة واحدة، لذلك يتحول التقسيط بالنسبة للبعض، من مجرد وسيلة شراء، إلى طريقة لإدارة مرحلة كاملة من الحياة، خصوصا بالنسبة للمتزوجين حديثا، وأصحاب الدخل الثابت والمتوسط، الذين يجدون أنفسهم أمام قائمة طويلة من الاحتياجات، في وقت واحد، ولا خيار لهم إلا البحث عن طريقة لتخفيف تلك الأعباء مرة واحدة.

تعدد الصيغ السكنية نشّط البيع بالتقسيط

مع توسع برامج السكن، وعودة ملف التأثيث بقوة إلى حياة آلاف الأسر، أصبح الطلب على الصيغ التي تسمح بالدفع على مراحل، أكثر ارتباطا بالواقع الاجتماعي الجديد، فبرنامج السكنات “عدل 3”، مثلا، عرف تسجيل أكثر من 1,4 مليون مكتتب، فيما تم إحصاء أكثر من 900 ألف مكتتب مستوف للشروط، خلال مرحلة معالجة الملفات في ماي 2025، وهي أرقام تعكس حجم الطلب على السكن، لكنها تكشف أيضا، عن كتلة واسعة من الأسر التي ستواجه، بدرجات مختلفة، مرحلة تجهيز مساكنها وتأثيثها، دون ذكر ما سبقها من صيغ لا يزال المكتتبون فيها والساكنون حديثا، في رحلة تأثيث منزلهم، وانطلاقة تقريبا من الصفر، لتجهيز المنزل بكل حاجياته.

في المحلات المتخصصة في بيع الأثاث والتجهيزات الكهرومنزلية، لم تعد عبارة “كم تدفع اليوم؟” السؤال الوحيد الذي يطرحه الزبون، بل أصبح السؤال: كم سأدفع كل شهر؟ وكم تمتد مدة التسديد؟ وما الذي يمكنني أخذه الآن، من دون أن أضطر إلى انتظار سنوات، حتى أجمع ثمنه كاملا؟ وهنا يتحول السعر من رقم إجمالي، قد يبدو مرتفعا، إلى مبلغ شهري، يبدو أكثر قابلية للتحمل، وهو ما يغير طريقة النظر إلى عملية الشراء نفسها، وعن طريقة الدفع وتخفيف تلك المصاريف على رب الأسرة.

المتزوجون الجدد أكثر إقبالا على الشراء بالتقسيط

منير داودي، صاحب محل للبيع بالتقسيط، يوضح في حديثه لـ«المساء”، أن الزبون الذي يدخل المحل، لا يبحث دائما عن منتج فاخر، أو عن الكماليات، بل يأتي في كثير من الأحيان، بحثا عن حاجات أساسية مرتبطة بالمسكن، ويكون السؤال الأول، حول قيمة القسط ومدة الدفع، أكثر من السؤال عن السعر الإجمالي، ويؤكد أن الشباب المقبلين على الزواج، أو الذين حصلوا حديثا على مساكن، يمثلون شريحة مهمة من الزبائن، لأنهم يجدون أنفسهم أمام عدة مصاريف في الوقت نفسه، مضيفا أن التقسيط يسمح لهم بتوزيع هذه النفقات وعدم استنزاف مدخراتهم دفعة واحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأجهزة، لا يمكن الاستغناء عنها، مثل الثلاجة والغسالة وأجهزة الطبخ والتدفئة وغيرها.

وأضاف أن هذه الممارسة، تنسجم مع وجود منظومة رسمية للقروض الاستهلاكية في الجزائر، إذ تحدد وزارة التجارة، السلع المؤهلة للائتمان الاستهلاكي ضمن عدة فئات، من بينها الأجهزة الكهربائية والكهرومنزلية، ومعدات المطبخ والغسيل، وأجهزة الإعلام الآلي، والأثاث المنزلي، وأقمشة التأثيث ومواد أخرى مرتبطة بتجهيز المسكن، مع شروط مرتبطة بالمنتج المصنوع أو المجمع في الجزائر.

للشراء بالتقسيط أبعاد أخرى..

من جهته، يقول ياسين بريكسي، أستاذ اقتصاد بجامعة تلمسان، إن سهولة الوصول إلى السلعة، لا تعني بالضرورة، أن كلفتها أصبحت أقل، وهنا تظهر المفارقة التي تجعل التقسيط موضوعا اجتماعيا يتجاوز مجرد طريقة للدفع، مشددا على أن الأسرة التي لا تستطيع دفع ثمن جهاز بقيمة 120 ألف دينار، مثلا، دفعة واحدة، قد تجد في قسط شهري فرصة لاقتنائه، لكن جمع عدة أقساط في الوقت نفسه، يمكن أن يحول هذا الحل إلى التزام ثابت، يرافق الأسرة لعدة أشهر أو سنوات، حسب السلعة وتكلفتها، خصوصا عندما تتزامن أقساط الأثاث مع مصاريف السكن والفواتير والنقل والمواد الغذائية وتكاليف الأطفال، وغيرها من النفقات التي لا يمكن تأجيلها.

وأضاف، أن التقسيط يغير أيضا طريقة ترتيب الأولويات داخل الأسرة، فبدلا من السؤال عما نستطيع شراءه بالمبلغ الموجود حاليا، يصبح السؤال عما نستطيع تحمله شهريا، موضحا أن في هذا فرق بسيط في الظاهر، لكنه مؤثر في القرار الاستهلاكي، لأن انخفاض قيمة القسط، قد يجعل بعض السلع تبدو في متناول اليد، حتى عندما تكون قيمتها الإجمالية مرتفعة، كما أن إمكانية الحصول على عدة منتجات في وقت واحد، قد تدفع الأسرة إلى تجهيز منزلها بسرعة، يؤكد، لكنها في المقابل ـ يقول ـ تجعل جزءا من دخلها المستقبلي، مرتبطا بالتزامات، تم اتخاذ قرارها مسبقا، دون إمكانية التراجع فيه، أو التنازل عن دفعها، وفق الاتفاق المبرم بين التاجر والزبون، بعد تلقيه السلعة فورا، بعد دفع أول شطر.

حتى الأغنياء يشترون بالتقسيط

لا يقتصر الأمر على الأسر ذات الدخل المحدود، يقول الأستاذ، فحتى أصحاب المداخيل المرتفعة، قد يلجؤون إلى التقسيط، للحفاظ على جزء من مدخراتهم للطوارئ، أو للمصاريف غير المتوقعة، خاصة عندما تكون قيمة المشتريات مرتفعة، موضحا أنه تظهر أهمية أخرى للتقسيط، إذ لا يستخدم دائما بسبب العجز عن الدفع، وإنما أحيانا، باعتباره وسيلة لإدارة السيولة وتوزيع النفقات، لكن الفرق بين الاستخدامين، يبقى مرتبطا بقدرة الأسرة على حساب مجموع التزاماتها، وليس بقيمة القسط منفردا.

وفي ظل هذا التحول، يشدد الخبير، يصبح الوعي بالتكلفة النهائية عاملا أساسيا في حماية ميزانية الأسرة، ويؤكد أن المقارنة بين العروض، لا ينبغي أن تتوقف عند قيمة الدفعة الشهرية، بل تشمل السعر الإجمالي بعد انتهاء فترة التسديد، والمدة، وأي رسوم أو تكاليف إضافية، وشروط التأخر في الدفع، وما إذا كان السعر النقدي مختلفا عن السعر بالتقسيط، وهي تفاصيل قد تبدو صغيرة عند توقيع العقد، لكنها تصبح واضحة عندما تتراكم الالتزامات شهرا بعد شهر.

وأضاف أستاذ الاقتصاد، أن بعد انتشار هذا السلوك، كأمر ضروري، وفق متطلبات حياة اليوم، باتت بعض البنوك تقدم ضمن صيغها، قروضا استهلاكية، وصيغ تمويل موجهة إلى اقتناء التجهيزات المنزلية، حيث تشمل بعض العروض، الأثاث والمطابخ والأجهزة الكهرومنزلية، وتسمح بتوزيع قيمة الشراء على آجال مختلفة، وهو ما يعكس انتقال تمويل بعض الاحتياجات المنزلية، من الادخار المسبق، إلى فكرة الدفع على مراحل، مشيرا إلى أنه في فيفري 2026، أعلنت إحدى البنوك العمومية، عن تمويل استهلاكي بصيغة المرابحة، لاقتناء تجهيزات كهرومنزلية وإلكترونية، بمبالغ تمتد من 50 ألفا إلى مليون دينار، وبآجال سداد تصل إلى 36 شهرا، في إطار عرض خاص، قامت به خلال شهر رمضان، وهذا ـ حسبه ـ دليل مدى الطلب على تلك النوع من القروض، وطلب التمويل الموجه لهذا النوع من الاستهلاك.