حولوا الأحياء إلى جحيم
الباعة الفوضويون ينغصون حياة السكان
- 1187
نور الهدى بوطيبة
تشكل نقاط البيع الموازية أو ما يعرف بالأسواق الفوضوية، المتواجدة داخل المجمعات السكنية في العديد من أحياء العاصمة، مصدر إزعاج للمواطنين، بسبب الفوضى التي يخلقها هؤلاء الذين تتعالى أصواتهم بهدف رفع نسبة مبيعاتهم واستقطاب أكبر عدد من الزبائن، زد على ذلك، النفايات التي يخلّفونها وراءهم بعيدا عن أعين الرقابة، رغم أن القانون ضد الباعة الفوضويين.
في استطلاع أجرته "المساء" في عدد من أحياء العاصمة، كانت لنا فرصة زيارة تلك الأسواق الموازية، التي اختفت أو كادت تختفي في فترة ماضية، إلا أنها سرعان ما عادت بقوّة أكبر على ما كانت عليه، حيث زاد عدد الباعة الذين انتشروا هنا وهناك على الأرصفة وحواف الطرق، مختارين بذلك الأماكن الإستراتيجية لفرض منطقهم واستقطاب أكبر عدد من الزبائن، على غرار مداخل المساجد، ومواقف الحافلات وغيرها من الأماكن التي تشهد حركة مستمرة للمواطنين، خصوصا داخل المجمعات السكنية، وضرب هؤلاء الباعة القوانين عرض الحائط، لدرجة أن البعض منهم باتوا يترصدون الشرطة، ويهربون كلما رأوا سيارة أمنية وظهروا كلما اختفت.
بداية، كانت لـ«المساء" جولة في "ميسوني"، الشارع الذي وجد راحته في وقت مضى، بعدما أصبح يمنع منعا باتا نصب الطاولات الفوضوية فيه على مستوى الطرق، لعرض مختلف المنتجات المتمثلة -بالنسبة لهذه السوق- في كل ما يستهوي النساء من ملابس جاهزة، أوان منزلية، أحذية، حقائب يدوية وغيرها. بينما أصبح اليوم من بين النقاط السوداء في العاصمة أو القلب النابض لها، والذي يعد الوجه الداخلي لأعرق شارع في العاصمة.. شارع ديدوش مراد.
اقتربنا خلال جولتنا من بعض المواطنين القاطنين هناك، وقد اختلف رأيهم بين أشخاص اعتادوا الموقف، وآخرين لم يهضموه مطلقا، بسبب الفوضى التي تخلفها الأسواق، والضجيج الصادر عن الباعة والزبائن على السواء. بداية حدثتنا الحاجة زليخة، قاطنة بالحي منذ 40 سنة، تروي الوضعية التي كان عليها الحي قبل سنوات من اليوم، حيث كان يتمتع بالهدوء لا ضجيج فيه، وكان الاحترام يسود، لا مناوشات حادة ولا أصوات تتعالى بكلام فاحش، إلا أن تلك الأسواق باتت اليوم تشكّل مصدر إزعاج حقيقي، وتستقطب أشخاصا غرباء عن الحي، لا يولون أيّ اهتمام لراحة الجيران، أو القاطنين بالمباني المجاورة والذين يطلون مباشرة على مناظر تعمها الفوضى "البصرية والسمعية".
من جهته، أكّد وليد، شاب من الحي، أنّ بلوغ الأسواق هذا المستوى يشكّل بالنسبة لسكان الحي مصدر أرق حقيقي، لاسيما بسبب الكلام الصادر من البعض، يقول "أغلبيتهم مجرد زوار لا يعرفون الحي وحرماته، وتلك الفوضى صادرة عن أصوات كثافتها مرتفعة جدا، مما يتسبب في تفاقم مضارها، قد تسبب آثارا فيزيولوجية ضارة وخطيرة على الجسم لا مريض في بيته ولا حتى سليم يسلم منها".
على صعيد ثان، كانت لنا جولة في سوق آخر، سوق فوضوي ببلدية باب الزوار، بالتحديد في حي 5 جويلية، اختار هؤلاء الباعة الفوضويون مدخل المسجد لنصب طاولاتهم الملوثة للمنظر العام للحي، مصطفين شاحناتهم على طول الطريق، عارضين خضرهم وفواكههم، رافعين أصواتهم المزعجة لجلب انتباه الزبائن بكلمات بعضها رديء لدرجة تقشعر له الأبدان، مستعملين شعارات لا يمكن حتى وصفها، لدرجة انحطاط مستواها.
في هذا الخصوص، حدّثتنا فريال القاطنة بالحي قائلة "هؤلاء الباعة من الصعب إبعادهم من هذا المكان، بعدما وجدوا فيه مصدر رزق يدرّ عليهم أموالا كبيرة، حيث لا ينقطع عليهم الزبائن طوال النهار، إذ ينصبون سلعهم منذ الساعة العاشرة صباحا إلى غاية العاشرة ليلا، مشيرة إلى أنه آن الأوان لاتّخاذ إجراءات صارمة في حقهم، بعدما باتوا يشكّلون مصدر إزعاج كبير للقاطنين هناك، من أصوات متعالية حتى أنّها تجعل الفرد لا يرتاح داخل بيته.
من جهتها، قالت "ح.ن"، بنفس الحي، بخصوص الضجيج والضوضاء قائلة "تتعدّد مصادر الضجيج من الوسط الحضري من السيارات وورشات البناء، والنقل وحركة المرور والاكتظاظ وغيرها، مما يجعلنا نبحث عن الراحة داخل بيوتنا، لكن في هذا الحي من الصعب أيضا إيجاد الراحة بسبب هؤلاء، حتى أنّ البعض يتمادى على حقوق السكان في ركن السيارات، إذ عادة ما يطلبون من البعض إزالة سياراتهم من أمام بيوتهم حتى يتمكّنوا من ركن شاحناتهم المحملة بسلعهم".
من جهته، قال نبيل، قاطن بحي 5 جويلية، بأنّ المشكل في الباعة الذين يضعون سلعهم على حواف الطرق، يهضمون حقّ السكان وحق المارة أيضا من مستعملي الطريق، حيث يجعل ذلك الأمر الزبائن يركنون سيارتهم بشكل فوضوي للتبضع، مما يجعل حركة السير تختنق، وهذا ما يؤدي إلى استعمال الأبواق التي تتعالى وتزعج السكان.
كل هذا التلوث السمعي الذي يعاني منه السكان له انعكاسات صحية، بعضها جسمانية وأخرى نفسية، أهمها استثارة الغضب والتوتر وقلة التركيز الفكري، خاصة أن المتسببين في الضجيج يجهلون أو يتجاهلون عمدا رغبة الفرد في التركيز أو النوم، أو الاسترخاء والراحة. أما أهم آثار الضجيج الجسمانية السلبية فتتمثل في حدوث إجهاد في الجسم، كما تسبب الضجة المفاجئة الشديدة ارتفاع ضغط الدم، وتسارع دقات القلب. دعا أغلبية من مسهم استطلاعنا السلطات المعنية التدخل لإعادة القضاء على هذه النقاط السوداء، التي باتت تنغص حياة الفرد وتسبب له أزمات نفسية حادة تحرم عليه الراحة داخل بيته.