حين يصبح الشارع مصدر خوف وقلق

الاعتداءات والسرقة وعصابات الأحياء.. خطر يهدد الأمن الاجتماعي

الاعتداءات والسرقة وعصابات الأحياء.. خطر يهدد الأمن الاجتماعي
  • 198
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لم يعد الخوف من الاعتداء أو السرقة مرتبط فقط بالأماكن المعزولة، أو الساعات المتأخرة من الليل، فالكثير من المواطنين باتوا خلال الآونة الأخيرة، يتحدثون عن تغير واضح في طبيعة الحياة داخل بعض الأحياء، حيث تحولت المساحات التي يفترض أن تكون مجالا للقاء والتواصل بين السكان، إلى أماكن يطغى عليها الحذر والقلق، وتظهر فيها من حين إلى آخر، مظاهر العنف والمشاجرات والتهديد والسرقة، في مشاهد يقف عليها المواطنون في الآونة الأخيرة تقريبا بصفة يومية، تظهر تفاصيل منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت تترصد عدسات الكاميرات والهواتف النقالة، تلك الدقائق الصادمة، لتبرز فيه عصابات الأحياء كواحدة من أكثر الظواهر التي تثير انشغال السكان والسلطات، على حد سواء.

المسألة باتت لا تتعلق بحوادث متفرقة فقط، فالخطر الأكبر يكمن في تحول العنف من سلوك فردي إلى سلوك جماعي، يجد لنفسه مساحة داخل الحي، وفي الطرقات العامة، وحتى في بعض المساحات العمومية، ويمنح بعض الشباب إحساسا بالقوة والانتماء والسيطرة، وهو ما يجعل الاعتداء والتهديد والسرقة، وسائل لفرض النفوذ وبناء صورة زائفة عن القوة، وتشير دراسات جزائرية، إلى ارتباط الظاهرة بجملة من العوامل الاجتماعية، المعيشية والنفسية، من بينها البطالة، ضعف الضبط الاجتماعي، التفكك الأسري والبحث عن المكانة والانتماء، إلى جانب تأثير البيئة الحضرية وبعض السلوكيات، التي تجعل العنف أكثر قابلية للانتشار في أحياء دون أخرى.

من مشاجرة عابرة إلى ثقافة تفرض نفسها

الأحياء التي تتكرر فيها المشاجرات والاعتداءات، لا يبقى أثر الجريمة محصورا على ضحية واحدة، فالخوف ينتقل بسرعة إلى الجيران والعائلات، وحتى المارة، لتصبح الأماكن العامة مرتبطة في أذهان السكان باحتمال وقوع حادث جديد في أي لحظة، ومع تكرار المشهد، يتراجع الشعور بالأمان ويزداد القلق، خصوصا لدى النساء وكبار السن والأطفال.

حول هذا الموضوع، كان لـ«المساء" لقاء مع أستاذ علم الاجتماع، طيب عبد اللاوي، الذي أوضح أن ظاهرة العنف والانحراف داخل الأحياء، لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة فيها، مشيرا إلى أن ضعف الضبط الاجتماعي، وتراجع الشعور بالأمن بين الأفراد الجدد، إلى جانب بعض مظاهر عدم التماسك بين السكان، يمكن أن تساهم في تهيئة بيئة تساعد على انتشار السلوك الإجرامي، ويرى أن بعض الأحياء الجديدة، التي شهدت عمليات إعادة إسكان وترحيل، قد تواجه بدورها صعوبات في الاندماج الاجتماعي، خاصة عندما لا ترافق الانتقال إلى السكن الجديد، آليات فعالة لبناء العلاقات بين السكان، وتعزيز التواصل والرقابة الاجتماعية، وهو ما قد يجعل بعض هذه الفضاءات أكثر عرضة لظهور مظاهر العنف والانحراف.

ويضيف الأستاذ طيب عبد اللاوي، أن السرقة لا ينبغي النظر إليها دائما كفعل إجرامي منفصل عن محيطه، فقد تأتي في بعض الحالات، ضمن سلسلة من السلوكيات المنحرفة، التي تبدأ بالمشاجرات والتهديد، ثم تتطور إلى الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، مشيرا إلى أن دراسات ميدانية حول العنف والإجرام، في بعض الأحياء السكنية ذات الطابع الاجتماعي، سجلت انتشار مظاهر متعددة، من بينها السرقة وحيازة المخدرات والاتجار بها والضرب والجرح العمدي، وهو ما يجعل معالجة الظاهرة، حسبه، مرتبطة بفهم السياق الاجتماعي، الذي تنشأ فيه هذه السلوكيات، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع كل حادثة، باعتبارها واقعة منفصلة عن البيئة التي احتضنتها.

كما يرجع الاستاذ طيب عبد اللاوي، جانبا من المشكلة أيضا، إلى الانتشار الواسع للمخدرات والمؤثرات العقلية، موضحا أن تعاطي هذه المواد قد يؤثر في سلوك الفرد، وقد يدفع بعض المتعاطين إلى فقدان قدر من التحكم في الانفعالات والاندفاع نحو سلوكيات خطرة، كما قد تمنح لدى البعض، شعورا مؤقتا بالجرأة وتضعف الخوف من عواقب الفعل، الأمر الذي يمكن أن يسهل ارتكاب الاعتداء أو السرقة في بعض الحالات، مشددا على أن المخدرات لا يمكن اعتبارها سببا وحيدا للجريمة، إنما عامل قد يتداخل مع ظروف اجتماعية ونفسية واقتصادية أخرى، ويشير، في السياق نفسه، إلى عامل آخر، يتمثل في سعي بعض الأشخاص إلى تحقيق الربح السريع، من خلال الاستيلاء على ممتلكات ذات قيمة مرتفعة، مثل الذهب والسيارات، خاصة عندما تتحول السرقة من سلوك عابر، إلى نشاط منظم، يستهدف ممتلكات ثمينة، يمكن إعادة بيعها وتحويلها بسرعة إلى أموال، وهو ما يجعل مواجهة ظاهرة، مرتبطة أيضا بمحاربة شبكات الاتجار بالمخدرات، وتجفيف مصادر تمويل الجريمة، ومراقبة مسارات الممتلكات المسروقة، إلى جانب معالجة الأسباب الاجتماعية التي تدفع بعض الشباب، إلى البحث عن المال السريع خارج الأطر المشروعة.

البحث عن القوة داخل الجماعة

من زاوية علم النفس الاجتماعي، تحدثت نفيسة الزاوي، أستاذة نفسانية، لـ«المساء"، قائلة: "لا يمكن فهم انخراط بعض المراهقين والشباب في الجماعات المنحرفة، من خلال فكرة الرغبة في الإجرام فقط، فالجماعة قد تمنح الفرد إحساسا بالانتماء والاعتراف والقوة، خصوصا عندما يشعر في محيطه الأسري أو المدرسي أو الاجتماعي، بالتهميش أو العجز عن تحقيق مكانة معينة، يعتقد أنه يستحقها"..

وفي هذه الحالة، تضيف، "يصبح سلوك الجماعة وسيلة لتعويض شعور بالنقص أو الرفض، ويجد الشاب نفسه أمام مجموعة تقدم له هوية جاهزة، وقواعد غير مكتوبة، تقوم على الولاء والدفاع عن أفرادها، والرد على الخصوم بالقوة، ومع الوقت، يتعدى الاعتداء على الجماعات فيما بينها، بل يصبح هدفها البحث عن ضحايا جدد، والأكثر ضعفا، حتى وإن كانت عائلات، أو نساء أو حتى ضد أطفال، وقد يصبح الاعتداء وسيلة لإثبات الذات، وليس مجرد رد فعل على مشكل أو مناوشة"، وأضافت أن "السرقة أو تكوين عصابات الأحياء في الجزائر، أصبح من أكبر المشاكل الإجرامية التي تحاول الحكومة محاربتها، وتشديد العقوبات لمكافحتها"، وأكدت في هذا الصدد، على أن "الردع وحده قد يوقف فعلا إجراميا محددا، لكنه لا يعالج دائما الظروف التي تسمح بتكرار الظاهرة، لذلك يحتاج التدخل إلى الجمع بين الوقاية والعلاج والرقابة، مع توفير بدائل حقيقية للشباب، خصوصا في الأحياء التي تعاني من البطالة والتهميش، وضعف النشاط الثقافي والرياضي والاجتماعي، وإن كانت تبدو بسيطة لحل المشكل، إلا أنها فعالة لمحاربته على المدى البعيد، وانتشال خاصة الأطفال، من دخول هذا العالم الإجرامي، بعد فترة معينة، اقتداءً بما يشاهدونه من حولهم من سلوك نابع من أشخاص يكبرونهم سنا، ويعيشون معهم في نفس الحي".

وأشارت المختصة في حديثها، إلى واقع مخيف، حيث قالت: "بعض أفراد تلك العصابات، لديهم منطق غريب، يتمثل في ممارسة جريمة معينة بهدف الانتساب للمجموعة، بل وحتى أن دخول السجن بسبب سرقة أو عنف أو غيره، ميزة أساسية للانتساب إلى جماعة الأشرار"، على حد تعبيرها، وهذا يكون كنوع من الافتخار بأن فلانا سُجن بسبب جريمة، ففي الوقت الذي يمقته المجتمع، يحترمه أعضاء العصابات، وهذا تفسير يتكرر دائما وسط التحليل النفساني للعصابات".

المجتمع يدفع الثمن..

أضافت محدثة "المساء"، أنه حين تنتشر عصابات الأحياء، أو السرقة المنظمة، لا تتمثل الضحية دائما في شخص تعرض للسرقة أو الاعتداء، فالضرر يمتد إلى الحي كله، وتصبح الثقة بين السكان أضعف، ويتراجع استعداد المواطنين للتدخل أو التبليغ، وقد يختار البعض الصمت خوفا من الانتقام، بينما يفضل آخرون الابتعاد عن الأماكن التي يسيطر عليها أصحاب السلوك العنيف، بل وحتى أن البعض يترك كل حياته وراءه، لينتقل إلى حي أو حتى مدينة جديدة، هروبا من ذلك المكان، "وهذا ينعكس سلبا على نفسية جميع السكان، ويجعل أفرادها يعيشون تحت ضغط يومي، لا حياة طبيعية، ولا عيش كريم عند غياب الأمن والأمان، بسبب جماعات تفرض سيطرتها، باستعمالها أسلحة بيضاء خطيرة"، توضح المختصة.

وشددت المتحدثة، على أن هذه الحالة تخلق ما يمكن وصفه بدائرة الخوف، فكلما زادت الجريمة تراجع حضور السكان في الفضاء العام، وازدادت بدورها قدرة الجماعات المنحرفة على احتلاله، وكلما غابت المبادرة الجماعية، زادت العزلة الاجتماعية، لذلك فإن مقاومة الظاهرة لا تتوقف عند تدخل الشرطة أو القضاء، بل تحتاج أيضا إلى استعادة دور الحي والمدرسة والأسرة والجمعيات والنوادي الرياضية والثقافية، في مراقبة المجال الاجتماعي وإعادة بناء العلاقات بين السكان.

القانون يضع العصابات تحت طائلة الردع

على صعيد آخر، يقول المحامي وأستاذ القانون، أحمد علام، إن ظاهرة عصابات الأحياء في الجزائر، دخلت في السنوات الأخيرة، مرحلة جديدة من المعالجة القانونية والأمنية، موضحا أن الدولة لم تعد تكتفي بالتدخل بعد وقوع الاعتداء أو الجريمة، وإنما اتجهت نحو الوقاية ووضع آليات أكثر تنظيما، لمواجهة هذه الجماعات، ويشير، في هذا الصدد، إلى تنصيب اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها في أفريل 2026، ثم الشروع في دراسة مشروع الاستراتيجية الوطنية للوقاية من هذه الظاهرة ومكافحتها للفترة الممتدة بين 2026 و2029، معتبرا أن هذه الخطوة تعكس التوجه نحو معالجة الظاهرة، من خلال مقاربة، تجمع بين الجانب الأمني والجانب الوقائي والاجتماعي.

وأضاف أن المعطيات التي قدمها وزير العدل في نوفمبر 2025، تشير إلى تسجيل انخفاض في معدلات الجرائم المرتبطة بعصابات الأحياء، خلال تلك الفترة، غير أن ذلك لا يعني انتهاء الظاهرة، بدليل استمرار العمليات الأمنية وتفكيك عدد من العصابات في السنة الجارية 2026، وهو ما يؤكد، حسبه، أن الملف لا يزال مطروحا ويحتاج إلى متابعة مستمرة، خاصة أن نشاط هذه الجماعات قد يرتبط بالاعتداءات والسرقة، حيازة الأسلحة البيضاء، الترويج للمخدرات والاعتداء على الممتلكات، مضيفا أن الإجراءات الجديدة لمواجهة تلك العمليات الإجرامية أكثر صرامة، منها تفعيل التعليمات التي كان قد وجهها رئيس الجمهورية لمكافحة هذه الظاهرة، باستثناء المتورطين في نشاط عصابات الأحياء من إجراءات العفو الرئاسي، كما تم اتخاذ إجراءات قانونية مشددة ضد جرائم استيراد وصناعة وحيازة وبيع الأسلحة البيضاء، التي تستغل في نشاط عصابات الأحياء، إلى جانب استثناء الفاعلين كذلك من إجراءات العفو الرئاسي، وإقرار تدابير قانونية لحماية الأسلاك الأمنية المكلفة بمواجهة هذه العصابات، وأن العقوبات الأساسية لتلك الأنشطة، يقول المحامي، السجن النافذ لفترات طويلة، لكل من ينخرط أو ينشئ أو يسير عصابة أحياء، تهدف إلى فرض السيطرة أو الترويع أو الإتلاف، ثم التشديد في حالات العود، من خلال مضاعفة العقوبات المقررة قانونا، في حالة تكرار الجريمة من نفس الجاني.

ويشدد المحامي على أن مواجهة هذه الظاهرة، لا يمكن أن تقوم على العقوبة وحدها، لأن الردع القانوني يعالج الفعل الإجرامي بعد وقوعه، بينما تتطلب الوقاية معالجة الظروف التي تساعد على ظهور هذه الجماعات، من خلال دعم الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني، وتشجيع الشباب على الاندماج، إلى جانب حماية الضحايا والشهود وتعزيز ثقة المواطنين في التبليغ عن الجرائم، هذه الأخيرة، حسبه، باتت من أكثر السلوكيات التي تساهم في فك الجريمة، من خلال عرض وقائع عبر فيديوهات وتوثيقها وتقديمها كدليل للأمن والعدالة، تساعد على سيرورة التحقيق، مشيرا إلى أن الصمت، كما يقول، قد يمنح بعض الجماعات، مساحة أكبر للتحرك وفرض نفوذها داخل الأحياء، لذلك فإن نجاح الاستراتيجية الجديدة، سيقاس في النهاية، بمدى قدرتها على الجمع بين قوة القانون والوقاية الاجتماعية، واستعادة الشعور بالأمن داخل الحي.

أكد المحامي، أن فعالية النصوص لا تقاس فقط بصرامة العقوبات، بل بقدرة أجهزة الدولة على تطبيق القانون في الوقت المناسب، وسرعة التعامل مع البلاغات، وحماية الضحايا والشهود، وضمان التنسيق بين مختلف الجهات، وهذا ما نشهده اليوم، حسب المحامي، بفضل جهود أجهزة الأمن، التي في ظرف قياسي، تتمكن من إلقاء القيض على هؤلاء المجرمين، لغاية أساسية، وهي وضع حد لكل ما يعكر صفو الحياة العادية للمواطن، ويهدد أمنه واستقراره وسلامته وممتلكاته.

الخطاب الديني جزء من الوقاية

في هذا الصدد، أوضح محمد لعزوني، إمام مسجد، أن مواجهة العنف تبدأ قبل لحظة الجريمة، من خلال تربية الناشئة على احترام النفس والغير وتحريم الظلم والاعتداء والسرقة، مع توجيه الأسر إلى الانتباه للتغيرات التي تظهر على سلوك أبنائها، كما يمكن للمسجد أن يكون فضاء للحوار والتوجيه والمصالحة الاجتماعية، خاصة في الأحياء التي تعرف توترات بين الشباب أو بين العائلات.

وأضاف الإمام، أن الدين الإسلامي جاء بتحريم كل السلوكيات التي تهدد أمن الناس واستقرار المجتمع، فالسرقة اعتداء على أموال الغير، والقتل من أعظم الجرائم التي حرمها الشرع، كما أن الاعتداء والضرب والترويع والتهديد وتعاطي المسكرات والمخدرات، كلها سلوكيات ترفضها الشريعة، لما تسببه من أضرار للفرد والمجتمع.

أوضح أن الإسلام لا يحصر تحريم هذه الأفعال في العقوبة الدنيوية فقط، بل يربي الفرد على استشعار حرمة دم الإنسان وماله وكرامته، وعلى أن القوة لا تكون في إخافة الناس أو الاعتداء عليهم، وإنما في ضبط النفس واحترام الآخر، ويرى أن هذا الجانب التربوي يجب أن يبدأ منذ الصغر، داخل الأسرة والمدرسة والمسجد، حتى يدرك الناشئ أن السرقة أو الاعتداء أو حمل السلاح، أو الانخراط في جماعة تمارس العنف، ليست مظاهر قوة أو شجاعة، وإنما سلوكيات محرمة تضر بصاحبها وبالمجتمع من حوله، مؤكدا أن الوقاية الحقيقية من العنف، تحتاج إلى خطاب ديني متوازن، يرسخ قيم الرحمة والتسامح واحترام الحياة والمال والكرامة، ويواجه في الوقت نفسه، الأفكار والسلوكيات، التي قد تجعل من الجريمة أمرا عاديا أو وسيلة لفرض النفوذ داخل الحي.