نتيجة تأثير التكنولوجيا وتراجع دور الأسرة
الاحترام يتلاشى بين أفراد العائلة الواحدة
- 985
رشيدة بلال
أرجع المختص في علم الاجتماع، الأستاذ مراد سالي، تراجع الاحترام بين أفراد الأسرة الواحدة في العلاقة بين الآباء والأبناء، وعلاقة الأبناء فيما بينهم، إلى التغيرات التي يعرفها المجتمع الجزائري، والتي مجدت "الأسرة النواة" وتخلت عن الأسرة الكبيرة أو الممتدة، التي كان لها دور هام في تقويم سلوك أفراد العائلة، وفقا لتقاليد وأعراف كانت تحكم النظام الأسري سابقا.
مجموعة من القصص التي رواها لـ"المساء"، بعض الأولياء عن تصرفات أبنائهم، والتي تعكس غياب الاحترام المطلوب بين الكبير والصغير في الأسرة الواحدة، حيث قالت إحدى السيدات، بأن ابنها لا يكف عن سبها وشتمها لمجرد أنها تقصر في أداء بعض الواجبات، كالتأخر في تحضير الطعام، وترفض أن تشتكي من تصرفاته لوالده، خوفا عليه من العقاب، مرجعة ذلك إلى حالة المراهقة التي يمر بها. بينما أخرى أكدت بأنها تتجنب الاصطدام مع أبنائها، حتى لا تسمع بعض الكلمات الجارحة، وحسبها، فإن الدخول في صراع مع الأبناء، قد يعزز الخلاف ويجعلهم ينحرفون أكثر، من خلال الانطواء في العالم الافتراضي، لذا تفضل التغاضي على بعض التصرفات وتحاول إيجاد أعذار الشعور بالقلق، أو نتيجة ضغوط الدراسة، أو حتى من تأثير ما يشاهدون على مواقع التواصل الاجتماعي.
وحسبما جاء على لسان أخريات، فإن طريقة التواصل في حد ذاتها مع الأبناء، أصبح يغيب فيها الاحترام، حيث ينسى الأبناء أنهم يتحدثون إلى أهاليهم، فتكون لغة التحاور كتلك المستعملة في الشارع بألفاظ غير مهذبة.
قال المختص في علم الاجتماع، مراد سالي، الأمر الذي يعزز فرضية أن منظومة القيم التي تفرض احترام الكبير، قد تراجعت كثيرا. موضحا أن منظومة القيم في المجتمع الجزائري، اهتزت في السنوات الأخيرة، لعدة اعتبارات، أهمها خروج أغلب النساء للعمل وإيكال مهمة تربية الأبناء إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
يقول: "بدليل أن أغلب الأبناء، بغض النظر عن سنهم، يمضي بعضهم وقتا طويلا على الهواتف النقالة، على ما يتم عرضه، وبعضهم الآخر في الألعاب الالكترونية، هذه الأخيرة ـ يردف المتحدث ـ "غذت العدوانية لديهم وجعلتهم يتعلمون لغة تواصل جديدة، أزالت ما كان ينبغي أن يكون عليهم الأمر، وفقا لمنظومة القيم التقليدية".من جهة أخرى، أشار المتحدث، إلى أن طريقة التربية داخل الأسر في حد ذاتها، تغيرت، حيث نسمع في كثير من الأحيان الأولياء يحرضون أبنائهم على التعامل بالعنف ضد كل من يعتدي عليهم، الأمر الذي جعل الأطفال يطبقون هذا الأسلوب حتى داخل الأسرة، لأن طريقة التربية خاطئة"، مشيرا في السياق، إلى أن القيم الاجتماعية التي كانت تعتبر عاملا من عوامل الضبط الاجتماعي، تراجعت في السنوات الأخيرة بشكل كبير، ظهرت ملامحها على الأسرة، ولعل هذا ما جعل الكثيرين يصفون بعض التصرفات بعبارة "عادي"، من منطلق أن المجتمع قد تغير.
وعلى صعيد آخر، أشار المختص الاجتماعي، إلى أن المجتمع في الماضي، كان يساهم في عملية التربية، فمثلا، كان الجار أو المدرسة أو حتى الشارع يربي، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن للأسف الشديد، تفشي ثقافة "تخطي راسي"، خوفا من ردود أفعال الأولياء، لمجرد الحديث مع أبنائهم، ساهم في تخلخل منظومة القيم، لافتا إلى أن غياب الاحترام في الوسط الأسري، مرجعه بالدرجة الأولى، عدم قيام الأم بدورها كما يجب، وإيكال مهمتها الأساسية إلى المربية أو دور الحضانة، الأمر الذي جعل الأبناء لا يشعرون بذلك الرابط المعنوي الذي يفرض عليهم احترام ذويهم"، مشيرا إلى أن المطلوب لإعادة إحياء منظومة القيم، التي حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، في قوله "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا". تكون من خلال دعم الأم وتذكيرها بالدور الهام الذي ينبغي لها أن تؤكد عليه، وهو تربية الأبناء.
يختم المختص الاجتماعي "هذه المهمة أهملتها الأمهات في السنوات الأخيرة، الأمر الذي نتج عنه منظومة أسرية فاشلة، وهو ما يعكس كثرة الانحرافات في المجتمع".