منظمة حماية المستهلك تبدي موقفها:
الأنسولين المستنشق.. خيار جديد يجب التعامل معه بحذر
- 174
نور الهدى بوطيبة
يفتح الأنسولين المستنشق، بابا جديدا أمام مرضى السكري، بعدما وسعت السلطات الصحية الأمريكية، قبل أشهر، نطاق اعتماده، ليشمل الأطفال والمراهقين، ابتداء من سن السادسة، في خطوة طبية تثير اهتماما واسعا لدى المرضى وعائلاتهم، ليس فقط لأنها تضيف خيارا علاجيا جديدا، إنما تمس واحدا من أكثر الجوانب إرهاقا في الحياة اليومية للمصابين بالسكري، والمتمثل في تكرار الحقن المرتبطة بالوجبات، لا سيما لدى الأطفال الذين يضطرون إلى التعامل مع الإبر، بوصفها جزء ثابت من تفاصيل يومهم، سواء في المنزل أو المدرسة، أو خلال ممارسة أنشطتهم المعتادة.
يعتمد الأنسولين المستنشق على إيصال الجرعة عبر الجهاز التنفسي، بدلا من حقنها تحت الجلد، بحيث يستنشق المريض الجرعة قبل تناول الطعام، ثم ينتقل الدواء عبر الرئتين إلى مجرى الدم، ليبدأ مفعوله بسرعة، وهو ما يجعله مخصصا أساسا للتحكم في ارتفاع مستوى السكر المرتبط بالوجبات، ولا يعني هذا التطور الاستغناء الكامل عن الحقن لدى جميع المرضى، فالأشخاص المصابون بالسكري، الذين يحتاجون إلى أنسولين قاعدي طويل المفعول، سيظلون بحاجة إليه، بحسب حالتهم وخطة علاجهم، كما أن الأنسولين المستنشق، لا يمثل بديلا مناسبا لكل مريض، بل يخضع استخدامه لجملة من الشروط والاحتياطات الطبية.
وتكتسب الموافقة الجديدة أهميتها بصورة خاصة، بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين، إذ أن التعامل اليومي مع السكري لا يقتصر على تناول الدواء، بل يرتبط بمواعيد الوجبات والنشاط البدني ومراقبة مستوى السكر والخوف من انخفاضه، وقد يؤدي تكرار الحقن إلى شعور بالإرهاق أو الرفض لدى بعض المرضى، لذلك فإن وجود وسيلة أخرى لتغطية الوجبات، يمكن أن يمنح بعضهم مرونة أكبر في حياتهم اليومية، غير أن ذلك لا يعني أن العلاج المستنشق أكثر أمانا أو أكثر فعالية لجميع المرضى بصورة مطلقة، فالاختيار يبقى مرتبطا بالحالة الصحية والاستجابة للعلاج، وقدرة المريض على استخدام الوسيلة بالشكل الصحيح.
وتشير البيانات، التي استندت إليها الموافقة الجديدة، إلى دراسة شملت أطفالا ومراهقين تتراوح أعمارهم بين ستة عشر وسبعة عشر عاما، حيث استخدم الأنسولين المستنشق على مدى ستة وعشرين أسبوعا، ومقارنته بأنسولين سريع المفعول يعطى عن طريق الحقن، وأظهرت النتائج قدرة العلاج على تحقيق سيطرة على مستوى السكر قابلة للمقارنة مع العلاج المحقون، كما كانت السلامة العامة متقاربة بين المجموعتين، مع تسجيل السعال باعتباره من الأعراض الجانبية، الشائعة لدى مستخدمي الأنسولين المستنشق، وهي معطيات تقدم صورة أكثر واقعية عن العلاج، بعيدا عن الاعتقاد بأنه حل سحري يلغي مشكلات الأنسولين التقليدي.
حول هذا الموضوع، تحدث مصطفى زبدي، الطبيب العام، ورئيس منظمة حماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، عن هذه الثورة العلاجية، مشيرا إلى أن هذا التطور العلاجي سوف يفتح عدة نقاشات، قبل اعتماده في الجزائر، كشروط الحصول عليه، ومدى قدرة المرضى على الاستفادة منه فعليا، وهي مسائل لا تقل أهمية عن الاعتماد الطبي نفسه، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرض مزمن، يحتاج المصاب به إلى علاج مستمر ومنتظم، كما أن الطبيب العام يظل الطرف الأساسي في توجيه المريض وأسرته، من خلال شرح طبيعة العلاج وحدوده، والتأكد من عدم وجود موانع صحية، ومتابعة مستوى السكر ووظائف الرئة عند الحاجة، وتحديد ما إذا كان الأنسولين المستنشق، يمكن أن يشكل إضافة مناسبة للخطة العلاجية أو لا، حسب حالة المريض.
وأوضح المتحدث، أن طريقة وصول الدواء إلى الجسم، لابد أن تفرض احتياطات خاصة تتعلق بالجهاز التنفسي، إذ لا ينصح باستخدام الأنسولين المستنشق لدى الأشخاص المصابين بالربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن، بسبب احتمال حدوث تضيق في الشعب الهوائية، كما ينبغي تقييم وظائف الرئة، قبل بدء العلاج ومتابعتها، وفقا لما يراه الطبيب مناسبا، ولا يعد التدخين أو التدخين الحديث من الحالات الملائمة لاستخدام هذا النوع من العلاج، لذلك فإن التخلص من الإبرة في جرعة معينة، لا يعني التخلص من المتابعة الطبية، بل أن العلاج يتطلب تقييما دقيقا للتأكد من ملاءمته لكل مريض.
ووسط الأمل الذي يرافق كل تطور طبي جديد، يقول زبدي، هناك الحاجة إلى الحذر في التعامل معه، لأن الأنسولين المستنشق سوف يتجه سريعا إلى احتلال مساحة أكبر، ضمن الخيارات العلاجية المتاحة لبعض مرضى السكري، خصوصا بعد توسيع استخدامه، ليشمل الأطفال ابتداء من سن السادسة، غير أن هذه الخطوة لا تعني نهاية عصر الحقن، يؤكد زبدي، وإنما تعني اتساع هامش الاختيار أمام الطبيب والمريض، فالغاية ليست التخلص من الإبرة في حد ذاتها، بل الوصول إلى علاج فعال، آمن وقابل للاستمرار، يساعد المريض على ضبط مستوى السكر ويخفف عنه قدر الإمكان، عبء المرض في حياته اليومية، لذلك تبقى الاستشارة الطبية والمتابعة المنتظمة، الفاصل في تحديد من يمكنه الاستفادة من هذا العلاج.