اهتمام متزايد بحالات التوحد
اختلاف في طريقة الإدراك والتواصل فقط
- 134
نور الهدى بوطيبة
يُعد التوحد من الحالات الصحية التي تثير اهتماما متزايد في المجتمعات، خاصة مع ارتفاع نسب التشخيص، إذ لم يعد ينظر إليه كمرض بقدر ما هو اختلاف في طريقة التفكير والتفاعل مع العالم. الطفل المتوحد يعيش تجربة خاصة في التواصل، والإدراك، والسلوك، ما يجعله بحاجة الى بيئة واعية، قادرة على احتوائه، ومرافقته نحو تنمية قدراته. هذا الفهم الجديد ساهم في تغيير النظرة السائدة من الشفقة أو الخوف الى الدعم، والتقبُّل، وفتح المجال أمام المختصين لتطوير أساليب علمية، تساعد هذه الفئة على الاندماج في المجتمع بشكل فعال.
الحديث عن التوحد لم يعد مقتصرا على العيادات والمراكز المتخصصة، بل أصبح جزءا من النقاش الاجتماعي، والتربوي. حيث تلعب الأسرة والمدرسة دورا محوريا في مرافقة الطفل منذ سنواته الأولى، إذ إن التشخيص المبكر والتكفل المناسب يمكن أن يحدثا فرقا كبيرا في حياة الطفل، ويسمحا بتطوير مهاراته، وتحسين تواصله، وتعزيز استقلاليته، وهو ما يجعل التوعية ضرورة ملحة لضمان فهم أعمق لهذه الحالة، والتعامل معها بطريقة علمية، وإنسانية.
وفي هذا السياق، يأتي إحياء شهر التوحد كفرصة لتعزيز الوعي، وتسليط الضوء على تجارب ناجحة في التكفل بالأطفال، وعليه نظمت مؤسسة “أطفال التحدي والأمل” الخاصة بتربية وتعليم أطفال التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة، مؤخرا ببلدية درارية، يوما توعويا تحسيسيا لفائدة الأولياء، من خلال أبواب مفتوحة، هدفت إلى التعريف بدور المؤسسة وخدماتها. وشكل هذا النشاط فضاء للتواصل بين المختصين والأولياء، وتبادل الخبرات حول أفضل الطرق لمرافقة الطفل المتوحد، وتمكينه من الاندماج في المجتمع.
وفي هذا الصدد أوضحت حايت خليدة، مختصة نفسانية إكلينيكية ومختصة في النفس الحركي والنفس الغذائي، أن المؤسسة تستقبل الأطفال الذين تتراوح عمارهم من ثلاث سنوات الى 14 سنة، حيث يتم توزيعهم على أقسام خاصة يشرف عليها أساتذة مختصون في اللغة العربية والرياضيات والتربية الإسلامية، الى جانب التكفل الحسي والأرطفوني، مع حضور خبراء نفسانيين؛ لضمان التعامل السليم مع خصوصية كل طفل. وأشارت الى أن الطفل الذي يُدمج في المدرسة يخضع لتقييم شامل، يسمح بتشخيص دقيق لحالته، مع التمييز بين التوحد وحالات أخرى؛ مثل التوحد المرتبط بالشاشة أو ما يُعرف بأطفال الشاشة، أو الانطواء النفسي، وهي حالات تتشابه في الأعراض، لكنها تختلف في الأسباب، وطرق العلاج، تؤكد الخبيرة.
كما أكدت أن ملاحظة الإصابة بالتوحد يمكن أن تبدأ منذ سن 18 شهرا، من خلال ضعف التفاعل مع المحيط، أو غياب التواصل البصري، أو التأخر في الكلام، غير أن التشخيص الدقيق يتم غالبا في سن ثلاث سنوات، حيث تكون المؤشرات أكثر وضوحا، وهو ما يوجب التكفل المبكر، الذي يساعد الطفل على استعادة المهارات الأساسية؛ مثل التواصل، والتفاعل الاجتماعي، من خلال برامج تدريبية مدروسة تعتمد على التكرار، والتحفيز، ما يمكنه من اكتساب مهارات جديدة، تهيئه مستقبلا للاندماج في الحياة المهنية.
وأشارت المختصة، أيضا، الى أن هذه المقاربة لا تقتصر على الأطفال فقط، بل تمتد الى البالغين، حيث يمكن التكفل المستمر أن يساعدهم على تطوير قدراتهم، وتحقيق استقلالية نسبية في حياتهم اليومية، وهذا ما تعمل عليه المدرسة من خلال تقديم للتلاميذ الأكبر سنا برامج لتهيئتهم للحياة المهنية، ومرافقتهم في الاندماج في الحياة العملية مستقبلا.
ومن جانبها، تحدثت مهناوي كريمة، أخصائية نفسانية ومختصة في التكامل الحسي والمعالجة الحسية، عن جانب مهم يتعلق بكيفية إدراك الطفل المتوحد للمثيرات الحسية، حيث يعاني بعض الأطفال من فرط في الإحساس، مثل الانزعاج الشديد من الأصوات، أو الأضواء، بينما يعاني آخرون من ضعف في الاحساس، فلا يستجيبون للمثيرات بشكل طبيعي، موضحة أن دور المختصين يتمثل في تحديد مستوى هذا الخلل بدقة، والعمل على إعادة التوازن الحسي من خلال تمارين وتقنيات خاصة تساعد الطفل على تنظيم استجاباته.
وأضافت المختصة أن المعالجة الحسية تهدف الى مساعدة الطفل على التحكم في انفعالاته التي تنتج عن هذا الخلل، مثل الغضب أو القلق أو الانسحاب، عبر تعريضه تدريجيا لمثيرات مختلفة بطريقة مدروسة، ما يساعده على التكيف معها دون توتر. كما يتم تدريب الطفل على استخدام استراتيجيات بديلة للتعبير عن احتياجاته، ما يحسن من تواصله، ويقلل من السلوكيات الصعبة. وهذا العمل يتطلب صبرا وتعاونا بين المختصين والأسرة؛ لضمان نتائج فعالة، ومستدامة.
وفي ختام هذا النشاط أكدت سهيلة مديوني، مسؤولة بالمؤسسة وخبيرة نفسانية، أن الأبواب المفتوحة تهدف الى تعريف الأولياء بمختلف طرق التكفل والعلاج المتوفرة، وتشجيعهم على عدم التردد في طلب المساعدة، خاصة في المراحل المبكرة، حيث يمكن التدخل المبكر أن يحقق تقدما كبيرا قد يصل الى 80 بالمائة من التحسن في بعض الحالات، موضحة أن التوحد ليس مرضا بل حالة مختلفة، ولا يعني أن الطفل أقل ذكاء أو قدرة من غيره، بل يحتاج، فقط، الى طرق تواصل خاصة، ومعاملة مناسبة.
كما أوضحت أن الشخص المتوحد يبقى كذلك طوال حياته، غير أن ذلك لا يمنعه من الاندماج في المجتمع، أو تحقيق نجاح مهني إذا توفرت له الظروف المناسبة والدعم اللازم، فكثير من الأشخاص المتوحدين تمكنوا من إثبات قدراتهم في مجالات مختلفة، وهو ما يؤكد أن الاختلاف لا يعني العجز، بل قد يكون مصدر قوة إذا تم توجيهه بشكل صحيح.