سلامة الغذاء في يومه العالمي

إعادة تسخين الطعام.. بين العادة الاجتماعية والمتطلبات الصحية

إعادة تسخين الطعام.. بين العادة الاجتماعية والمتطلبات الصحية
  • 163
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

يتجدد الحديث عن العادات الغذائية اليومية التي ترافق الأسر داخل البيوت بمناسبة اليوم العالمي لسلامة الغذاء الموافق للسابع جوان من كل عام، خاصة تلك التي تبدو بسيطة ومعتادة لكنها قد تحمل أبعادا صحية مهمة تستحق التوقف عندها. فسلامة الغذاء لا ترتبط فقط بطريقة شراء المواد الغذائية أو تحضيرها، بل تشمل كذلك كيفية حفظ الطعام، والتعامل معه بعد الطهو. وهي تفاصيل قد تصنع الفرق بين وجبة آمنة وأخرى قد تتحول الى مصدر لمشكلات صحية غير متوقعة. 

في المجتمع الجزائري تبرز عادة إعادة تسخين الأكل كواحدة من أكثر الممارسات انتشارا داخل البيوت، إذ تلجأ كثير من العائلات الى الاحتفاظ ببقايا الطعام، أو تحضير كميات كبيرة تكفي لأكثر من وجبة، ثم إعادة تسخينها عند الحاجة. وهي عادة ارتبطت بمتطلبات الحياة اليومية، والرغبة في الاقتصاد، وتوفير الوقت والجهد. غير أن هذه الممارسة تثير في المقابل تساؤلات حول مدى احترام شروط السلامة الغذائية، خاصة عندما لا يتم حفظ الأطعمة أو إعادة تسخينها بالطريقة الصحيحة؛ الأمر الذي قد يفتح الباب أمام حالات التسمم الغذائي، ومشاكل صحية قد لا يُحمد عقباها.

ولفهم البعد الاجتماعي لهذه العادة تحدثت "المساء" الى خبير علم الاجتماع سيد علي الزاوي، الذي أكد أن إعادة تسخين الطعام ليست مجرد سلوك غذائي عابر، بل هي ممارسة متجذرة في الثقافة الاجتماعية الجزائرية، حيث اعتادت كثير من العائلات تحضير كميات معتبرة من الطعام تكفي جميع أفراد الأسرة. وأحيانا تكفي أكثر من يوم، موضحا أن هذا السلوك يرتبط بجملة من القيم الاجتماعية الراسخة، في مقدمتها الكرم وحسن الضيافة، والحرص على عدم نفاد الطعام من المائدة، وأيضا عدم التبذير وإهدار الطعام، فكل ما يبقى في الصحون أو القدور قابل لإعادة أكله؛ سواء في الوجبة المقبلة، أو حتى اليوم المقبل..

ويشير المختص الى أن نمط الحياة المعاصر ساهم بدوره، في تعزيز هذه العادة، خاصة مع خروج أفراد الأسرة للعمل والدراسة؛ حيث تجد كثيرا من الأمهات والآباء يحرصون على تحضير كمية أكبر من الطعام كوسيلة عملية لتوفير الوقت والجهد خلال الأيام المزدحمة بدل الاضطرار الى الطهو بشكل يومي، ومتكرر، وهو ما يجعل إعادة تسخين الطعام خيارا شائعا داخل المنازل.

ويضيف أنَّ لهذه الممارسة بعدا اقتصاديا مهمّا، فالكثير من الأسر أصبحت أكثر وعيا بضرورة ترشيد الاستهلاك وتجنب رمي الطعام في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لذلك يُنظر الى الاحتفاظ ببقايا الوجبات وإعادة استهلاكها كسلوك مسؤول، ينسجم مع قيم مكافحة التبذير. وهي قيم تحث عليها التعاليم الدينية أيضا، إذ إن هدر الطعام من السلوكيات المرفوضة اجتماعيا وأخلاقيا، وكثيرا ما تتجند هيئات للحد منها إذا ما تحولت الى سلوك منتشر في بعض المناسبات؛ كشهر رمضان الفضيل.

وذكر المتحدث أن الدراسات الاجتماعية الحديثة تشير الى أن الحد من هدر الغذاء أصبح من القضايا العالمية المهمة؛ إذ تذهب كميات كبيرة من الطعام الصالح للاستهلاك الى النفايات سنويا في مختلف دول العالم، لذلك فإن الاستفادة من الطعام المتبقي بشكل سليم أو إعادة تدويره لوصفات جديدة، مساهمةٌ إيجابية في ترشيد الموارد وتقليل الخسائر الغذائية شرط احترام قواعد الحفظ، والسلامة الصحية.

قواعد لا بدّ من احترامها

ومن الجانب الصحي، أوضح أسامة خرباش، خبير في التغذية العلاجية، أن إعادة تسخين الطعام في حد ذاتها، ليست ممارسة خطيرة، بل يمكن القيام بها بشكل آمن تماما إذا تم احترام القواعد العلمية الخاصة بحفظ الأطعمة وتسخينها، مؤكدا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عملية التسخين نفسها، وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الطعام بين مرحلة الطهو ومرحلة الاستهلاك اللاحقة.

وأشار المتحدث الى أن أولى قواعد الوقاية تتمثل في عدم ترك الطعام المطهو في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة، خاصة خلال فصل الصيف، إذ ينبغي تبريده وحفظه داخل الثلاجة خلال مدة قصيرة بعد انتهاء الوجبة؛ لأن بعض أنواع البكتيريا قد تتكاثر بسرعة في درجات الحرارة المعتدلة؛ ما يزيد من احتمال التسمم الغذائي.

كما نصح المختص في حديثه إلى "المساء"، بإعادة تسخين الطعام بشكل كامل ومتجانس حتى يصل الى درجة حرارة مرتفعة في جميع أجزائه، مع تجنب الاكتفاء بتسخين السطح فقط وترك الداخل باردا؛ لأن ذلك قد لا يكون كافيا للقضاء على الجراثيم المحتملة، مشددا على أهمية عدم إعادة تسخين الطعام أكثر من مرة كلما أمكن ذلك.

وأوضح خبير التغذية أن بعض الأطعمة تتطلب عناية خاصة عند إعادة تسخينها، ومن بينها الأرز المطهو، إذ يمكن أن يشكل خطرا إذا تُرك لفترة طويلة خارج التبريد قبل حفظه. كما يجب التعامل بحذر مع أطباق الدجاج واللحوم والأسماك والبيض، والتأكد من حفظها في ظروف مناسبة، ثم تسخينها جيدا قبل تناولها، لا سيما أنها قد تتحول الى سموم حقيقية إذا لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح، بل وحتى إن بعض الخبراء لحساسيتها، يمنعون تماما إعادة استهلاكها بعد الوجبة الأساسية التي حُضرت حينها. والبعض حذّر من الأرضي الشوكي، والأرز، والبطاطس، إلا أنه يمكن استهلاكها بعناية، وحرص على احترام سلسلة التبريد، واحترام درجة حرارة إعادة التسخين.

ويضيف أن الكثير من حالات التسمم الغذائي المسجلة عالميا، لا تكون مرتبطة بنوعية الطعام بقدر ما تكون مرتبطة بسوء التخزين، أو سوء التعامل معه بعد الطهو؛ لذلك فإن احترام سلسلة السلامة الغذائية من لحظة التحضير الى لحظة الاستهلاك، يبقى العامل الأساسي في الوقاية. ويؤكد أن نشر الوعي الغذائي داخل الأسرة من أهم وسائل الحماية، من خلال تعليم أفراد العائلة قواعد النظافة الشخصية، وغسل اليدين، واستعمال أوعية حفظ مناسبة، ومراقبة مدة الاحتفاظ بالأطعمة داخل الثلاجة، والمجمد، وعدم استهلاك أي غذاء تظهر عليه علامات التلف، أو تغير الرائحة أو اللون.