بين غلاء الأسعار وضيق الحال

أضحية العيد.. من شعيرة دينية إلى عبء اجتماعي

أضحية العيد.. من شعيرة دينية إلى عبء اجتماعي
  • 180
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

❊ منصة أضاحي تضمن توزيعا عادلا وشفافا 

❊ تصحيح المفاهيم ضرورة.. الأضحية ليست مقياسا للمكانة الاجتماعية

مع اقتراب عيد الأضحى من كل عام، تعود إلى الواجهة، واحدة من أهم الشعائر الدينية والاجتماعية التي تميز المجتمع الجزائري، حيث تتجدد معاني التضامن والتكافل، وتبعث روح الفرح في البيوت، مهما اختلفت مستوياتها الاجتماعية، غير أن هذه المناسبة، التي ارتبطت تاريخيا بالبهجة والكرم، تحولت في السنوات الأخيرة، إلى مصدر قلق متزايد لدى شريحة واسعة من المواطنين، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الأضاحي، وبين الرغبة في إحياء السنة والحفاظ على التقاليد، والواقع الاقتصادي الصعب الذي يفرض نفسه بقوة، يجد الكثير من أرباب الأسر أنفسهم أمام معادلة صعبة، قد تنتهي أحيانا بالتخلي عن الأضحية، أو حتى عن مظاهر العيد كلها.

في الجزائر، وككل دولة مسلمة، حيث يشكل عيد الأضحى مناسبة ذات طابع ديني واجتماعي عميق، باتت الأسواق تشهد مفارقة واضحة بين العرض والطلب، حيث ترتفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، في مقابل تراجع قدرة المواطن الشرائية، هذا الوضع فتح الباب أمام تساؤلات عديدة، حول الأسباب الحقيقية لهذا الغلاء، وانعكاساته النفسية والاجتماعية، فضلا عن دور الدولة في محاولة تنظيم السوق، وتخفيف العبء عن المواطنين. والتي أخذت على عاتقها، وضع منصة “أضاحي” التي تشرف عليها وزارة الفلاحة والصيد البحري، لعرض أضاحي مستوردة بأسعار في متناول الجميع، انطلاقا من 48 ألف دينار، للدفع عبر الأنترنت، و50 ألف دينار عند الدفع نقدا.

ضغط نفسي يثقل كاهل رب الأسرة

في حديث “المساء” مع هارون محساني، المختص في علم النفس، أكد أن الضغوط النفسية التي يعيشها رب الأسرة، خلال هذه الفترة، ليست مجرد شعور عابر، بل حالة نفسية مركبة، تتداخل فيها مشاعر القلق والعجز وحتى الإحباط، فرب الأسرة، الذي يرى في الأضحية رمزا للكرامة والقدرة على توفير احتياجات عائلته، قد يشعر بتراجع مكانته داخل أسرته، عندما يعجز عن اقتنائها، مضيفا أن هذا الضغط، قد يتحول إلى توتر داخل الأسرة، خاصة في ظل المقارنات الاجتماعية مع الجيران والأقارب، حيث تتحول الأضحية من شعيرة دينية، إلى معيار اجتماعي غير معلن عنه مباشرة.

أشار المختص، إلى أن الأطفال بدورهم، يتأثرون بهذا الوضع، حيث يرتبط العيد في أذهانهم بالأضحية، وغيابها قد يولد لديهم شعورا بالحرمان والتقص، وحتى التقصير من طرف آبائهم، ما ينعكس على حالتهم النفسية، ويرى المتحدث، أن "الحل لا يكمن فقط في القدرة على الشراء، بل في إعادة ترسيخ القيم الحقيقية للعيد، بعيدا عن المظاهر الاستهلاكية".

على صعيد آخر، يوضح أسامة عزوز، إمام مسجد، أن الأضحية في الشريعة الإسلامية، سُنّة مؤكدة لمن يستطيع تأديتها، وليست فرضا على المسلم غير القادر على اقتنائها، وهو ما يعني أن من لم يستطع اقتناءها، لا إثم عليه، ويؤكد أن الدين الإسلامي راعى أحوال الناس وقدراتهم، ولم يجعل من الأضحية عبئا أو سببا في الضيق، ويشدد على أن الاقتراض أو الدخول في ديون من أجل شراء الأضحية، أمر غير مستحب، لاسيما إذا ما احتمل عجز سداد الدين، خصوصا إذا كان ذلك سيؤثر على استقرار الأسرة.

وفيما يخص ارتفاع الأسعار دون مبرر، يرى الإمام أن ذلك يدخل في باب الاحتكار، والمغالاة التي نهى عنها الإسلام، ودعا في هذا الخصوص، إلى ضرورة التحلي بالرحمة والتضامن، خاصة في مثل هذه المناسبات، كما دعا التجار والمربين إلى مراعاة ظروف المواطنين، وعدم استغلال الطلب المرتفع لتحقيق أرباح مبالغ فيها، وحرمان المسلم من تأدية أحد الشعائر الدينية.

وأضاف الإمام، أن روح العيد لا تختزل في الذبح فقط، بل تتجلى أيضا في قيم التراحم وصلة الرحم والتصدق على المحتاجين، حيث يمكن لمن عجز عن شراء الأضحية، أن يحيي هذه الشعيرة بطرق أخرى، كالمشاركة في أضحية جماعية أو تقديم صدقة يعين بها أسرة محتاجة، مشيرا إلى أن النية الصادقة لها مكانة كبيرة في الدين، وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، كما دعا إلى التوعية داخل المساجد، بضرورة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تجعل من الأضحية مقياسا للمكانة الاجتماعية، بدل أن تبقى عبادة تقرب إلى الله، وأنها من الأعمال التي تمون لمن استطاع تأديتها.

أسعار تلتهب والسوق خارج السيطرة

من جانبه، يوضح أستاذ في الاقتصاد الكلي، فاروق سحفان، أن سوق المواشي في الجزائر، يشهد اختلالات واضحة، نتيجة تداخل عدة عوامل، منها ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، إضافة إلى المضاربة التي تلعب دورا كبيرا في رفع الأسعار، ويشير إلى أن أسعار الأضاحي هذه السنة، قد تصل إلى حدود 90 و140 ألف دينار جزائري، وحتى أكثر بكثير في بعض الأسواق، لكباش كبيرة تصل إلى 200 ألف دينار جزائري، وهو رقم يفوق بكثير القدرة الشرائية لفئات واسعة من المجتمع.

ويضيف أن هذا الارتفاع، لا يعكس دائما التكلفة الحقيقية، بل يتأثر بسلوكيات السوق، خاصة في ظل غياب الرقابة الفعالة للموالين في بعض الأحيان، كما أشار إلى أن الطلب الموسمي الكبير يخلق بيئة مناسبة للمضاربة، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل غير مبرر، واقتنائها أحيانا بتلك الأسعار الجنونية، يشجع جشع بعض التجار والموالين.

الدولة تتدخل لكبح الفوضى

في المقابل، يضيف خبير الاقتصاد، أن الحكومة تسعى إلى تخفيف الضغط على المواطنين، من خلال إطلاق منصة رقمية لبيع الأضاحي المستوردة بأسعار محددة، حيث تم تحديد سعر الأضحية عبر هذه المنصة، بحوالي 50 ألف دينار عند الدفع نقدا، مع تخفيضات إضافية عند الدفع الإلكتروني، في خطوة تهدف إلى توفير بديل بأسعار معقولة وتنظيم عملية البيع، بعد نجاح هذه العملية، السنة الماضية، والتي ساعدت الكثير من العائلات على اقتناء أضاحي العيد بأسعار جد تنافسية، ساهمت، حسبه، في تخفيف حدة المضاربة وعملت على كسر بعض الأسعار داخل السوق بالنسبة للكباش المحلية.

أوضح فاروق سحفان، أن هذه المنصة تهدف إلى الحد من الفوضى، التي تشهدها الأسواق، وضمان توزيع عادل وشفاف للأضاحي، بعيد عن السماسرة والمضاربين، وقد لاقت هذه المبادرة استحسان المواطنين، رغم استمرار التخوف من محدودية العرض، مقارنة بحجم الطلب، خصوصا وأن بعض العائلات قد تقتني أكثر من أضحية واحدة، لكبر عدد أفراد عائلتها.

وفي ظل هذه المعطيات، يقول أستاذ الاقتصاد، بأنه أصبح التخلي عن الأضحية واقع تعيشه العديد من العائلات، ليس اختيارا بل اضطراريا، وأن البعض بات يكتفي بإحياء العيد بشكل رمزي، أو حتى تجاهله تماما بسبب الضغوط المالية، هذا التحول يعكس مدى تراجع القدرة الشرائية للمواطن، خصوصا متوسطي الدخل ومحدودي الدخل، لاسيما وأن التكاليف ارتفعت بشكل ملحوظ، ومست تقريبا جميع السلع والخدمات، ليس في الجزائر فقط، وإنما في عديد الدول، حتى الأكثر قوة، وهذا ما أدى إلى تغيير ترتيب الأولويات تحت ضغط الواقع الاقتصادي.