هروباً من صخب السهرات وازدحام الشواطئ
أسطح المنازل ملاذ العائلات العنابية
- 127
سميرة عوام
تتحول أسطح المنازل العتيقة و"ديار العرب" في الأحياء الشعبية بعنابة مع اشتداد حرارة الصيف وارتفاع نسبة الرطوبة داخل البيوت، إلى منافذ استجمام مفتوحة، وملاذات هادئة تستقطب العائلات التي فضلت قضاء سهراتها تحت نسيم الهواء النقي. وتصنع هذه العادة الاجتماعية المشهد الليلي في أزقة عنابة على غرار القرى والتجمعات السكنية المتراصة أو المتفرقة منها حسب خصوصية كل منطقة. حيث تعيد الأسر اكتشاف أسطحها العالية، وتحوّلها إلى فضاءات عائلية دافئة، تجمع بين متعة السمر البسيط والهروب من الاكتظاظ المروري وغلاء المرافق السياحية، متخذة من "سياحة السطوح" نجوما بديلة، تزيّن القعدات العنابية التي تستمر حتى صلاة الفجر.
تتجاوز هذه الممارسة حدود الترفيه البسيط، لتسلط الضوء على أبعاد اجتماعية واقتصادية، تعكس قدرة المواطن العنابي على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية، حيث تظهر تجليات هذا الخيار الميداني في عدة محاور أساسية، منها مواجهة الغلاء، وعليه تشكل السطوح خيارا استراتيجيا للأسر متوسطة ومحدودة الدخل، لمواجهة الارتفاع القياسي في أسعار الخدمات الشاطئية، وتكاليف المقاهي، ورسوم مواقف السيارات.
وتتيح هذه الفضاءات البديلة الاستمتاع بالليالي الصيفية دون تحميل الميزانية العائلية أعباء إضافية؛ ما يمثل شكلا من أشكال الاكتفاء الذاتي في الترفيه. كما تمنح سهرة الأسطح فرصة إعادة إحياء الروابط الأسرية الأصيلة. وتسهم هذه اللقاءات في إحياء اللمات الليلية فوق الأسطح، إلى جانب استرجاع العادات القديمة؛ حيث تجتمع العائلات والجيران حول صينية الشاي والحلويات التقليدية. وتوفر هذه القعدات بيئة حميمية تعزز التضامن الاجتماعي، وتكسر عزلة الشاشات والهواتف الذكية، لتستعيد الأسرة دورها كمركز للتواصل المباشر. كما تضمن أسطح "ديار عرب" بيئة استجمام آمنة ومريحة للأطفال والنساء بعيدا عن صخب المهرجانات، وازدحام الكورنيش، واختناقات حركة المرور التي تشهدها شوارع المدينة ليلا.
ويمنح هذا الفضاء الخاص حرية أكبر للعائلات في قضاء أوقات هادئة دون التعرض لمضايقات الازدحام الحضري. وعليه يعيد العنابيون توظيف الهندسة المعمارية لـ "ديار العرب" والأسطح المفتوحة، محولين المساحات غير المستغَلة إلى فضاءات حرارية طبيعية تستفيد من التيارات الهوائية البحرية؛ للتقليل من الاعتماد على أجهزة التكييف وشدة الرطوبة الداخلية، وهو ما يجسد ملاءمة معمارية متوارَثة مع البيئة الساحلية.
وتفرض هذه الظاهرة واقعا جديدا في المشهد الصيفي لمدينة عنابة، حيث لم تعد الأسطح مجرد مساحات لتخزين المقتنيات أو تجفيف الغسيل، بل تحولت إلى منصات اجتماعية حية، تعبّر عن روح المدينة القديمة، وتماسك أحيائها الشعبية. وتُظهر جليا قدرة العائلات على ابتكار حلول عملية تتناسب مع إمكانياتها المادية دون التنازل عن حقها في الراحة والجمال، مستغلة في ذلك موقع المدينة المباشر أمام البحر أو الغابات وافرة الظلال وما توفره من نسيم عليل خلال الليالي الحارة. كما تنعكس هذه الحركية على النسيج والتداخل بين الجيران داخل الزقاق الواحد، حيث تنتقل أحيانا أواني الشاي والأطباق التقليدية بين الأسطح المتجاورة؛ في صورة تتوارثها الأجيال.
ويعكس هذا التوجه تحولا واعيا في سلوك العائلات العنابية، نحو ترشيد النفقات الترفيهية، وتوجيهها نحو الأولويات الأساسية للأسرة، دون الشعور بالحرمان من أجواء الصيف. فالاستجمام فوق السطح لا يتطلب سوى تجهيزات بسيطة من أثاث فرعي، وإضاءة خفيفة، مع إعداد المشروبات المنزلية؛ ما يجعل تكلفة السهرة شبه معدومة مقارنة بالخروج إلى المرافق العامة أو الخاصة، التي أضحت ترهق كاهل الفقراء. وتتحول هذه الترتيبات البسيطة إلى طقس يومي يستعد له الجميع فور غياب الشمس، لتتحول الأسطح إلى لوحة من الأضواء الخافتة، والأحاديث المتبادَلة بين الأهل والأصدقاء.
إن استمرار مثل هذه السهرات الشعبية وتوسعها في أحياء عنابة وقراها يعطي انطباعا واضحا عن استعداد المواطن العنابي لمواجهة التغيرات الاقتصادية، مؤكدا أن الروابط الاجتماعية المتينة والوعي الأُسري يظلان الحصن الأول للحفاظ على نمط حياة متوازن وممتع. وتظل "السهرة فوق الأسطح شاهدا حيا على أصالة أهالي المدينة، وقدرتهم الدائمة على العيش بكرامة، وبساطة.
وقد نجح العنابيون في جعل هذه الجلسات بديلا يغني عن التنقل الصعب عبر خطوط المواصلات، أو البحث المضني عن أماكن للشواطئ ليلا. وتأتي هذه المشاهد السياحية والاجتماعية لتطرح بدائل واضحة حول كيفية استغلال الفضاءات العمرانية المتاحة، ودور المبادرات الفردية في خلق متنفسات ذاتية تجنب العائلات عناء الاكتظاظ الضوضائي والمروري.
إن نجاح العنابيين في استغلال مساحاتهم الخاصة يعيد تقديم فكرة سياحة السطوح كنموذج استجمام يراعي الخصوصية الاجتماعية والملاءمة المالية في آن واحد. وعليه فإن مفهوم السياحة والاستجمام في عنابة لا يرتبط حتما، بالميزانيات الضخمة أو الفضاءات التجارية المغلقة، بل يبدأ من قدرة العائلات على استغلال أبسط المساحات المتاحة لصنع الفرحة، وتأكيد حقها في الراحة والسكينة، بأسلوب يجمع بين الأصالة والبساطة.