ظاهرة تمزيق الكراريس في عنابة
أزمة وعي تربوي ومبادرات ميدانية لاسترجاع الهوية التعليمية
- 115
سميرة عوام
تحركت المؤسسات التربوية والبيئية بولاية عنابة، هذه الأيام، في توحيد النشاط والتنسيق الكبير، لمواجهة واحدة من أكثر الظواهر سلبية وتكرارا، مع نهاية كل موسم دراسي، وهي ظاهرة تمزيق الكراريس والكتب ورميها في الفضاءات العمومية. إن هذا المشهد المتكرر ليس مجرد سلوك عشوائي عابر، بل هو انعكاس كبير لأزمة وعي عميقة، وشرخ في العلاقة بين المتعلم ومحيطه المدرسي، مما استدعى استنفارا رسمياً ومجتمعيا، لإعادة الاعتبار لقيمة العلم وحماية البيئة في آن واحد.
أعطى مدير التربية لولاية عنابة، مختار لعوامر، الأسبوع الماضي، إشارة انطلاق حملة واسعة النطاق، تهدف إلى استرجاع الكراريس والكتب المدرسية المستعملة من جميع المؤسسات التربوية عبر بلديات الولاية. ولم تكن هذه الانطلاقة مجرد إجراء إداري شكلي، بل تم تفعيلها ميدانيا من المدرسة الابتدائية "غوار صالح" وثانوية "زنتار سليمان"، حيث أشرف المدير بنفسه على لقاء التلاميذ، لشرح طريقة تجميع الكتب والكراريس في علب كرتونية مخصصة.
تهدف هذه الحملة، حسب مخطط العمل المسطر، الذي يغطي كافة بلديات الولاية، إلى غرس قيم المحافظة على المحيط، من خلال تحويل التلميذ من عنصر مساهم في التلوث البصري والبيئي، إلى شريك حقيقي في حماية مدينته. كما تركز المبادرة على تثمين الورق المستعمل وإعادة تدويره وفق معايير اقتصادية وبيئية حديثة، لضمان استغلاله كأداة اقتصادية بدلا من تركه كنفايات. وتتميز المبادرة بالاستعداد المتكامل الذي يشمل جميع نقاط الولاية، لضمان القضاء التام على مشاهد تمزيق الكراريس في الشوارع، وتوفير البدائل التنظيمية للتلاميذ.
نحو استدامة الموارد
يُرافق هذا النشاط التربوي مرافقة قوية وميدانية من طرف مديرية البيئة، حيث أكد المدير الولائي، مكاحلية سمير، أنه تم إبرام اتفاقية مع شركة مختصة في جمع النفايات الورقية. وتتضمن هذه الشراكة توزيع حاويات ورقية متخصصة في نقاط استراتيجية محددة بدقة، من طرف مديرية التربية، لتسهيل عملية التجميع المباشر للكراريس والكتب عند نهاية السنة. وقد شدد مكاحلية على ضرورة استعادة الروح التعليمية التي ميزت "الجيل القديم"، الذي كان يقدس الكراس كإرث علمي وثروة لا تقدر بثمن. وفي لفتة إنسانية عميقة، استشهد بنموذج والدته الثمانينية التي لا تزال تحتفظ بكراريسه المدرسية، رغم اقترابه من سن الستين، في رسالة واضحة وقوية للأجيال الحالية حول قيمة الوفاء للمسار الدراسي وتقدير الذاكرة المعرفية.
تمزيق الكراس كآلية دفاعية
من جانبها، تقدم المختصة النفسانية برتبة رئيس بمستشفى "أبو بكر الرازي"، نعيمة مغزيلي، تحليلا نفسيا وبيداغوجيا معمقا لهذه الظاهرة المقلقة. وترى مغزيلي، أن تمزيق الكراريس عند نهاية السنة ليس سلوكا عبثيا، بل هو "متنفس" انفعالي يلجأ إليه التلميذ للتخلص من ضغوط نفسية، تراكمت طوال العام. ويعود ذلك إلى ضغط البرامج التربوية وثقل المناهج وحشو الدروس المبالغ فيه، الذي يجعل التلميذ يشعر بالإرهاق النفسي والذهني المستمر، مما يولد لديه رغبة في التخلص من مصدر هذا التعب. كما تشير إلى غياب الوعي بالمسار الدراسي وضعف إدراك التلميذ لأهمية ما دونه في كراسه، كمرجع علمي وبناء تراكمي لمستقبله المهني والمعرفي. وتضيف مغزيلي، أن هناك أزمة في العلاقة البيداغوجية، حيث تحولت العلاقة بين المعلم والتلميذ إلى علاقة سلطوية جافة، تعتمد على التلقين والحفظ والنجاح الرقمي فقط، مما أفقد العملية التعليمية قيمتها الوجدانية. ناهيك عن صعوبة المنهج واكتظاظ الحصص الدراسية التي جعلت التلميذ يشعر بالنفور من الكراس، الذي بات يراه "قيدا" وليس وسيلة تعلم.
خارطة طريق لتغيير الذهنيات
تؤكد المختصة النفسانية نعيمة مغزيلي، أن العلاج لا يجب أن يقتصر على الحلول التقنية الميدانية فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل جوهر العملية التعليمية والتربوية، من خلال تصحيح المسار البيداغوجي وضرورة بناء علاقة مهنية قائمة على "الدعم" والاحتواء، بدلا من ممارسة السلطة المطلقة، لتفادي حالة الصدام بين الأستاذ والتلميذ. كما تطالب بتغيير المنهاج التربوي ليكون أكثر مرونة ويراعي القدرات النفسية والذهنية للتلاميذ، ويقلل من حدة الضغط والاكتظاظ الدراسي. وتشدد على تكاتف المثلث التربوي عبر العمل المشترك والمنسق بين الأسرة، المدرسة، والمجتمع المدني، لتغيير ذهنية التلميذ وغرس ثقافة احترام الكتاب والكراس. ويظل تفعيل التوعية الأسرية المستمرة دورا محوريا للوالدين، في توضيح أن الكراس هو مرآة لجهد التلميذ طوال العام، تماما كما كان يفعل الجيل السابق في المحافظة على هذه الثروة العلمية.
إن ما تشهده ولاية عنابة، اليوم، من خلال هذه الحملة المتكاملة، يمثل نموذجا للمشروع المجتمعي الواعي؛ فهو يبدأ بمبادرة إدارية حازمة من مدير التربية، ويُدعم تقنيا من طرف مديرية البيئة، ويُؤطر علميا عبر التشخيص النفسي الدقيق للمختصين. الهدف الأسمى هو الوصول إلى مدرسة لا يرى فيها التلميذ في كراسه "عدوا يُمزق عند أول فرصة، بل وثيقة ثمينة ترافق نجاحاته، وتبني مستقبله في بيئة نظيفة ومجتمع يقدر العلم.