اهتمام بالأموات قبل الأحياء.. !!

أزمات نفسية وكوابيس يعيشها مشرحو الجثث

أزمات نفسية وكوابيس يعيشها مشرحو الجثث
  • 1047
❊ نور الهدى بوطيبة ❊ نور الهدى بوطيبة

تطرق رشيد بلحاج، رئيس مصلحة الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي "مصطفى باشا"، على هامش الملتقى الدولي حول "الطبيب والقانون" المنظم مؤخرا، إلى الآثار النفسية الواقعة على الطبيب الشرعي ومختلف طاقمه الطبي بسبب المشاهدة المتكررة للجثث، لاسيما أن بعضها في حالات لا يُحتمل النظر إليها، انطلاقا من عون الحماية المدنية أو الشرطي، مرورا بالمساعدين الطبيين، أو العاملين في مصلحة حفظ الجثث، وصولا إلى المشرح أو الطبيب الشرعي، كل هؤلاء يعانون من أزمات نفسية تتفاوت حدتها من شخص لآخر، الأمر الذي يستدعي متابعتهم ومرافقتهم نفسيا من طرف خبراء، للتخفيف من حدة ما يعانون منه، مشيرا إلى أن تلك المرافقة النفسية الفعالة تغيب في الجزائر.

أشار المتحدث لـ"المساء"، إلى أن العاملين في تلك المصالح يواجهون يوميا ردود أفعال مختلفة تجاه الجثث، لأن بعضها في حالات لا يحتمل الفرد العادي رؤيتها، تصل بالبعض الآخر إلى الإغماء بسبب مشاهد العنف والتنكيل بالجثة جراء جريمة ما، أو حادث مريع راح ضحيتها، رغم تعود الطاقم الطبي وأعوان الأمن على رؤية الجثث والأموات، إلا أن بعض الحالات تكون فظيعة المشاهدة، كأنها مقاطع من أفلام الخيال والرعب التي لا يمكن أن تكون حقيقية، ولا يستوعبها العقل، يضيف المتحدث.

أوضح رئيس المصلحة أن الجزائر كغيرها من الدول، تشهد يوميا حالات عديدة لحوادث المرور، وأخرى لجرائم مرعبة، وعند فتح كل تحقيق تمر الجثة مباشرة إلى الطبيب الشرعي، لتشريحها وتحديد السبب الحقيقي للوفاة، ومساعدة المحققين في إجراء التحقيق بصفة دقيقة، وتجريم الفاعل، فيعمل المشرحون بمعدل جثتين إلى ثلاث في اليوم الواحد، وقال "كيف تتخيل ردة فعل هؤلاء يوميا، وكيف لهم أن يتحملوا كل تلك المشاهد السلبية التي تؤثر على  حالتهم النفسية بشكل مباشر؟".

في هذا الصدد، قال بلحاج، إن التعامل مع الجثث ليس بالأمر الهين، هذا ما يؤثر على نفسية العاملين بالمشرحة، وهو مشكل حقيقي يعاني منه الكثيرون ممن سبق ذكرهم، الأمر الذي يتطلب مرافقة نفسية للتخفيف من حدة أزمتهم التي تصل في بعض الحالات إلى الإدمان، للهروب من واقع ما يعيشونه، ورغم ذلك، يضيف، ليس هناك برنامج فعال لدى طبيب العمل المتعلق بهذه المصلحة.

أكد الأخصائي أن أولى المراحل التي يمرون بها، هي الكوابيس التي تؤرق حياتهم، وفقدان النعاس بسبب المشاهد التي تعاد كالفيلم في مخيلتهم، تصل بالبعض إلى الإصابة بالهستيريا وتخيل أشياء غير حقيقية، كسماع أصوات وغيرها، تدفع بالبعض إلى محاولة الهروب من تلك الحالة النفسية بالإدمان سواء على الكحول أو حتى المهلوسات والمؤثرات العقلية، لنسيان تلك المشاهد ومحاولة التعايش معها.

ولأهمية الموضوع، رغم تهميشه من طرف الكثيرين، قام الدكتور بلحاج بتأليف كتاب حول "سيرته المهنية" ومواقف تقشعر لها الأبدان، عاشها خلال سنوات عمله، واستهل كتابه بواقعة قام بتمييزها ولم يتمكن من نسيانها، لرجل قتل زوجته وقطع جثتها بطريقة شنيعة لإخفاء جريمته،  وبعد سنوات من الحادثة، توفي الزوج في السجن بسبب سرطان وشرح جثته على نفس الطاولة التي شرح عليها جثة زوجته، أو بالأحرى أشلاءها، وتخيل خلالها نوعا من الحوار في كتابه دار بين الزوجة وقاتلها.

دعا المتحدث السلطات المعنية إلى ضرورة التكفل بهذه الفئة، من خلال وضع تحت تصرفها خبراء نفسانيين واجتماعيين لعائلاتهم الذين يتأثرون أيضا بشكل مباشر بحالته النفسية، مع إرغامهم على زيارة مصلحة طب العمل بشكل دوري، وتحديد منح تعويضا عن الأعراض النفسية التي يعانون منها بسبب عملهم، ومنحهم عطل استرخاء لضمان عدم زوال تلك المهن التي تشهد اليوم عزوف الطلبة على اختيارها، وتتسبب مشاكلها في تقاعد الكثيرين قبل الأوان، كل هذا يؤثر على فعالية هذا التخصص.