استغلال عمالة الأطفال في المغرب

ملف أسود آخر في سجل المخزن

ملف أسود آخر في سجل المخزن
  • 94
ق. د ق. د

يتواصل في المغرب تشغيل الأطفال واستغلالهم في سوق العمل كأحد أبرز مظاهر الانهيار الاجتماعي التي تكشف اتساع دائرة الفقر في المملكة وتعيد إلى الواجهة واحدا من الملفات السوداء في سجل المخزن. ويتمدد هذا الواقع دون حدود واضحة وقد وجد آلاف الأطفال أنفسهم خارج المنظومة التعليمية مدفوعين إلى أعمال شاقة أو منزلية أو غير مهيكلة في ظل شروط اجتماعية واقتصادية قاسية تجعل من العمل المبكر خيارا مفروضا ينتزع من الطفولة تحت وطأة الفقر.

ولم تتردد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في بيان أصدرته، أمس، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال، في تحميل المسؤولية لسياسات نظام المخزن الفاشلة، معتبرة أن استمرار الظاهرة "ليس مجرد خلل عرضي، بل نتيجة مباشرة لبنية اجتماعية واقتصادية تنتج الفقر وتعيد إنتاجه دون أي تدخل جذري لوقف هذا النزيف".

وأبرزت الجمعية أن قوانين المملكة المتعلقة بالعمال المنزليين وبدل أن تشكل أداة حماية، تظل مليئة بالثغرات التي تتيح عمليا استمرار تشغيل الأطفال داخل المنازل في فضاء مغلق يصعب إخضاعه لأي مراقبة، وهو ما يجعل الاستغلال يتم في وضح النهار وبغطاء قانوني جزئي. وما يزيد الوضع خطورة، وفق المعطيات الحقوقية، هو استمرار عجز آليات التفتيش والمراقبة، بل وتغاضي السلطات عن واقع معروف ومتكرر، حيث تبقى آلاف الحالات خارج أي تتبع فعلي وكأن الأمر لا يدخل ضمن أولويات الدولة رغم وضوح الانتهاكات واتساع نطاقها.

وينظر إلى هذا الصمت العملي من طرف حقوقيين باعتباره "شكلا من أشكال التواطؤ غير المعلن" لأن استمرار الظاهرة دون تدخل صارم يعكس فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي حول حقوق الطفل وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع. كما تكشف المعطيات ذاتها عن عجز واضح في تفعيل الالتزامات الدولية، خاصة اتفاقية حقوق الطفل، في ظل غياب سياسة عمومية مندمجة تجعل من حماية الطفولة أولوية حقيقية لا مجرد شعارات جوفاء تستحضر في المناسبات.

وفي المقابل، تتعمق الأسباب البنيوية للظاهرة في المغرب من فقر وبطالة وتهميش وتدهور الخدمات الاجتماعية. وهو ما يدفع بالأسر إلى الزج بأطفالها في سوق العمل كوسيلة للبقاء في غياب أي بدائل حقيقية توفر الحماية أو الدعم.لكن أخطر ما في المشهد، وفق القراءة الحقوقية، ليس فقط استمرار الاستغلال، بل "تطبيعه اجتماعيا وإداريا" عبر السكوت عنه أو التعامل معه كأمر واقع، بما يكرس منطق الإفلات من المساءلة ويحول معاناة الأطفال إلى جزء من الحياة اليومية. وتستمر الانتقادات الحادة التي يوجهها المثقفون المغاربة لنظام المخزن بسبب استشراء الفساد في المغرب وما يتمتع به المفسدون من حماية سياسية وتشريعية تحوّلت  على اثرها مؤسسات الدولة إلى دروع لحماية الفساد.

وأكد الكاتب المغربي المقيم بألمانيا، بوشعيب أمين، في مقال له، أن "الحديث عن تغوّل نخبة سياسية واقتصادية تستفرد بخيرات المغرب ليس مجرد موقف معارض أو رأي سياسي قابل للنقاش، بل أصبح حقيقة تتردد على ألسنة المغاربة داخل الوطن وخارجه وتنعكس في تقارير وطنية ودولية وفي الشعور العام المتزايد بانسداد الأفق وانعدام العدالة الاجتماعية". وأضاف أن "هناك إجماع واسع على أن جزءا مهما من الثروة الوطنية أصبح رهينة في يد أقلية نافذة راكمت النفوذ السياسي والاقتصادي في آن واحد وحوّلت مواقع المسؤولية العمومية إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة بدل خدمة الصالح العام".

ويرى أن التمركز غير المسبوق للسلطة والنفوذ في يد نخبة محدودة بات يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل "دولة المؤسسات" لأنه "بدل أن يتم تطوير الترسانة القانونية لمحاصرة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع ونهب المال العام، يجد المغاربة أنفسهم أمام محاولات متكررة لإفراغ بعض النصوص من مضمونها الرقابي أو تعطيل مبادرات كان من شأنها تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة". وحسب الكاتب، فإن "أخطر ما يواجه البلاد اليوم، ليس فقط استمرار الفساد أو الريع، بل التطبيع معه وتحويله إلى أمر عادي في الحياة العامة"، مشددا على أن "الثقة في المؤسسات تتعرض لضربات متتالية قد تكون آثارها أخطر من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية".

من جانبه، سلط الكاتب المغربي، بوشعيب حمراوي، في مقال له، الضوء على استشراء الفساد والإخفاقات التي تعرفها عديد القطاعات كاستمرار أزمة التشغيل والتفاوتات المجالية بين الجهات. واعتبر أن أخطر ما كشفت عنه التقارير هو أزمة الثقة عند المواطنين، حيث اتسعت الفجوة بين لغة التقارير ولغة الواقع، لافتا إلى أن المغاربة لا ينتظرون المزيد من التقارير والمؤشرات، بل ينتظرون مدرسة أفضل ومستشفى أفضل وفرص شغل أفضل وعدالة اجتماعية ومجالية أكثر إنصافا. وتطرق الكاتب المغربي المقيم بألمانيا، محمد بونوار، في مقال له، إلى معاناة سكان أعالي الجبال في المغرب الذي يتعرضون إلى تهميش وإهمال ممنهج لعقود عديدة بما دفعهم إلى تنظيم مسيرات ووقفات احتجاجية.