قصف السمارة عنوان للكرامة
- 98
بقلم: مصطفى الكتاب
شهر ماي الذي يعود اسمه إلى الآلهة الرومانية "مايا" التي تمثل الخصب والربيع والنمو، أو أيار حسب التسمية العربية المشرقية ذات الجذور البابلية، هو شهر له حمولة تاريخية كبيرة كاحتفالات "فلوراليا" الرومانية (أي آلهة الزهور)، هذا في القديم، أما في زمننا الحالي فهو شهر عيد العمال، واليوم العالمي لحرية الصحافة، وعيد الأم، واليوم العالمي للشاي ويوم الامتناع عن التدخين عالميا ...الخ.
لكنه كذلك بالنسبة لشعبنا المكافح يمثل شهر الفرحة وشهر الخروج من الظلام إلى النور ومن العدمية إلى الوجود، شهر تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وإعلان الكفاح المسلح من أجل تحرير الوطن من الاستعمار الإسباني.
والاحتفال بهاتين المناسبتين تأسيس الجبهة وانطلاق الكفاح المسلّح في هذا الشهر من كل سنة، واجب وفرض مقدّس دأب جيش التحرير الشعبي الصحراوي على القيام به منذ 1973 حتى الآن، كما أنه الشهر الذي فقدنا فيه زعيمنا وقائدنا المبجّل الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز، رحمة الله عليه هو وسائر الشهداء.
وفي هذا الإطار تندرج عملية السمارة في 05 / 05 /2026، وإذا رجعنا إلى تاريخ الحرب في الصحراء الغربية، لوجدنا أنه لم يمر هذا الشهر وهذا التاريخ منذ 1975 حتى الآن، إلا وتعرضت القوات الغازية المغربية لضربات جيش التحرير الشعبي الموجعة.
فلماذا نرى اليوم هرطقة ونحيبا وعويلا يتصاعد ضمن حملة شعواء تأييدا للظلم والغزو والاستعمار، وضد من يحاربون الظلم والطغيان والتوسع؟
والمضحك في الأمر هو أن من تعرضت قواته للهجوم لم يصدر أي بيان، بينما جاء الصراخ من داعميه وحلفائه متسترين بشعارات زائفة، عرقلة جهود السلام!!! عمل إرهابي ضد المدنيين؟؟ مدينة مغربية!!! أين كان كل محبي السلام هؤلاء منذ خمسين سنة مضت؟ هل عملية السمارة البطولية هي التي أبلغتهم أن هناك قضية في الصحراء الغربية؟ ألم ينتبهوا إلى أنهم خدموا القضية من حيث لا يريدون بإشاعة الخبر، وهذا إنما يعرّف بالبوليساريو وقضية الشعب الصحراوي، أو يذكر من نسيّ أن هناك شعبا مظلوما انتهكت أرضه وسفكت دماؤه لكنه مستمر في مواصلة كفاحه المشروع من أجل حقه الذي سلب منه.
وكما يقول الحق أجل من قائل "أذِن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير" صدق الله العظيم. (الحج 39).
وحين أذن الله من فوق سبع سماوات للمظلومين بأن يتصدوا للظالمين ويقاتلونهم، جعل ذلك مبدءا وسنّة، ولن تجد لسنّته تبارك وتعالى تبديلا، والعجيب أنه بعد أزيد من ألف وأربع مئة سنة، أقرت الأمم المتحدة تلك السنة وذلك المبدأ بالنسبة لشعبنا المكافح في قرارها 2983 (28د) المؤرخ في 14 / 12 / 1972، وهذا يؤكد لأي حصيف أن الحق الصحراوي مثبت تتفق عليه شرائع السماء والأرض. كما يتأكد للقاصي والداني أن قيام الدولة الصحراوية المستقلة على كامل ترابها الوطني أمر لا مرد له عاجلا أو آجلا.
ومن جهة أخرى يفسر لنا هذا ما عرفه ويعرفه شعبنا من اعتداء وتآمر قوى الشر المستمر في تكتل علني وسري لمناوأة حقه في الوجود، لأن الحق أعداؤه كثر والحرب ضده لا هوادة فيها. لذلك نرى توافق قوى الظلام والجشع على حرمان شعبنا من نيل استقلاله، ومواصلة غيهم محاولين وبشكل محموم، الدفع نحو حل ما يسمونه "نزاع الصحراء الغربية" ـ الذي هم من افتعله ـ لأنه طال أمده، متناسين انهم هم سبب اطالته. ويقدمون رؤى جوفاء بعناوين اقتصادية وأمنية.، ويمزجون في ذلك بين الإغراء والوعد والوعيد والتهديد، متجاهلين أن قضية الصحراء الغربية هي قضية تصفية استعمار، وأنها ليست نزاع حدود، ويتحرجون من الإجابة على أسئلة مثل:
ـ 1 ـ ما الجرم الذي ارتكبه الشعب الصحراوي في الساقية الحمراء ووادي الذهب حتى يعاقب بمثل ما عوقب به؟ نصف قرن من الحرمان من الحق، والتشريد، واللجوء.
ـ 2 ـ ما الضرر من قيام دولة صحراوية مستقلة في شمال غرب إفريقيا، لاسيما وأن الأمم المتحدة تقر لشعبها بحقه في تقرير المصير منذ 1965؟
ـ 3 ـ ألا تكفي خمسة عقود من الزمن لتبيُّنِ الحق من الباطل؟
ربما من يدّعون اليوم أنهم حماة السلم والاستقرار في العالم، لديهم مفاهيمهم الخاصة بهم للسلم والأمن والتنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، مفاهيمٌ لا يدركها الأكاديميون في الجامعات، ولا فقهاء وأخصائيو القانون الدولي، ولا قضاة المحاكم الدولية، فتراهم يتفذلكون ضمن قاموسهم الخاص المؤلف في دهاليز جزيرة "آبستين"، بعبارات قد لا يعنونها مثل: الواقعية السياسية "real politic"، والخيار الأنسب والأكثر جدية، وضرورة النظر إلى المستقبل، والانخراط اللامشروط، وحسن النية وما إلى ذلك من عبارات جوفاء، ترمي إلى القفز على الحق والالتفاف عليه، يشيطنون هذا ويحابون ذلك بما يناسب أمزجتهم وأهواءهم التي حين تحاول أن تكون عادلة، تساوي بين الضحية والجلاد.
فالشعب الصحراوي في الساقية الحمراء ووادي الذهب ليس له من جرم سوى أنه قال ربيّ الله وتشبث بأرضه، والخمسين سنة المنصرمة أكدت أن الدولة الصحراوية عامل توازن واستقرار في المنطقة، بل وفي القارة الإفريقية عموما، والحق الأصيل لا يسقط بالتقادم مادام أهله متمسكين به ولا يقبلون له بديلا.