تشييع جثمان "نائل" بنانتير بعد ليلة رابعة من الاحتجاجات

فرنسا تدفع ثمن العنصرية والتطرف

فرنسا تدفع ثمن العنصرية والتطرف
  • 1462
ق. د ق. د

على وقع الغضب واستمرار الاحتجاجات في عدة مدن فرنسية، شيعت عائلة مرزوق، بمقبرة "مونت فاليرين" بنانتير، أمس، ابنها "نائل" ذو 17 ربيعا والذي راح ضحية غدر شرطي متطرف وعنصري لم يرحم وجهه البريء، حيث تميزت مراسم الجنازة بأقصى درجات الخصوصية.

قبل ساعات قليلة من بدء مراسم تشييع جثمان "نائل"، عمت المدينة حالة من الهدوء الحذر الممزوج بحرقة في القلب ودموع في أعين أفراد عائلته التي طالبت وسائل الاعلام بعدم الحضور والتقاط الصور احتراما لخصوصية الجنازة.

ولأنها جنازة غير عادية ولا لشخص توفي طبيعيا وإنما لمراهق أعدم في وضح النهار ومن مسافة الصفر برصاصة شرطي مرور من دون أي سبب وفي بلد الحرية والمساواة، فقد استعدت فرنسا كل الاستعداد لهذا اليوم العصيب الذي تلته أربع ليال كاملة من احتجاجات غاضبة وصدامات عنيفة بين المحتجين وعناصر الشرطة في عدة مدن فرنسية انتفض سكانها وخاصة الشباب منهم والمراهقين من ظلم وقهر الجهاز الأمني وعدوانيته ضد المواطنين من غير الأصول الفرنسية.

ونشرت الحكومة الفرنسية 45 ألف شرطي وعدة عربات مدرعة خلال الليل للتصدي لأسوأ أزمة تواجه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، منذ احتجاجات "السترات الصفراء" التي أصابت فرنسا بالشلل أواخر عام 2018.

وبينما بادرت عدة مدن فرنسية بإرسال المزيد من التعزيزات الأمنية خوفا من تصاعد التوترات والأعمال التخريبية والنهب والسرقة واندلاع مزيد من الصدامات بين المحتجين وعناصر الأمن، قالت وزارة الداخلية الفرنسية إن الشرطة اعتقلت 1311 شخصا ليلة الجمعة إلى السبت مقارنة مع 875 في الليلة السابقة في "أعمال عنف" وصفتها على موقع "تويتر" بأنها كانت "أقل حدة".

وطلب وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان، من السلطات المحلية وقف حركة جميع الحافلات ووسائل النقل الجماعي على غرار "الترامواي"، موجها رسالة لرجال الإطفاء وعناصر الشرطة قال فيها  إنه يستطيع الاعتماد عليهم.

ورداً على سؤال في برنامج تلفزيوني عما إذا كان بإمكان الحكومة إعلان حالة الطوارئ التي تطالب بإقرارها شريحة واسعة من الفاعلين على الساحة السياسية، قال دارمانان أنه "بكل بساطة، نحن لا نستبعد أي فرضية، وسنرى بعد هذه الليلة ما سيختاره رئيس الجمهورية".

من جهته، اضطر الرئيس ماكرون، أمس، إلى تأجيل زيارة دولة له كانت مقررة إلى ألمانيا لمواصلة المتابعة بنفسه لتطورات هذه الأزمة التي كشفت الشجرة التي تغطي غابة كبيرة وعميقة من تنامي أعمال التمييز العنصري والتطرف التي غداها ولا يزال يغذيها اليمين المتطرف ليس فقط في فرنسا بل في دول أوروبية أخرى وتتساهل معها السلطات الرسمية. فكانت النتيجة كارثية كما شاهدها العالم أجمع على شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي من ألسنة لهب التهمت السيارات وكل شيء أمامها في الشوارع والطرقات ومباني عمومية طالها التخريب والنهب وعمليات كر وفر بين الشرطة والمحتجين الذين تفجر غضبهم ضد عنف رجال الأمن "الحقيقة" المؤلمة المسكوت عنها. 

وأعادت هذه المشاهد المضطربة إلى الأذهان أعمال شغب استمرت ثلاثة أسابيع اندلعت عام 2005 في أنحاء فرنسا وأجبرت حينها الرئيس آنذاك، جاك شيراك، على إعلان حالة الطوارئ بعد وفاة شابين صعقا بالكهرباء في محطة للكهرباء في أثناء اختبائهما من الشرطة.

وهو ما جعل حتى الفاعلين في المجال الرياضي يتدخلون ضمن مسعى لاحتواء الأزمة التي تعقدت خيوطها وتشابكت عقدها لدرجة جعلت لاعبي المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم يصدرون بياناً نادراً دعوا فيه إلى الهدوء. ونشر النجم كيليان مبابي البيان على حسابه على إنستغرام وقالوا فيه أنه "يجب أن يتوقف العنف من أجل الحداد والحوار وإعادة الإعمار".

وحتى مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تدخل على خط احتواء الوضع المنفلت عندما شدد على أهمية التجمع السلمي. كما حث السلطات الفرنسية على ضمان عدم استخدام الشرطة للقوة على أساس التمييز بعدما استشعر خطورة غض الطرف عن مثل هذه الممارسات المشينة التي لا تساهم الا في تنامي مشاعر الغضب لدى الاقليات العرقية بكل ما يحمله ذلك من مخاطر وعواقب وخيمة على تناسق النسيج الاجتماعي في هذا البلد الأوروبي.