رئاسة الجزائر لمجلس السلم والأمن الإفريقي
حضور فاعل في تعزيز مقاربة السلم والأمن في القارة
- 188
ق. د
تسدل الجزائر الستار على رئاستها الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي عقب شهر من الحركية الدبلوماسية المكثفة والتحرك الميداني، كرّست خلاله حضورها الفاعل في صلب الجهود الإفريقية الرامية إلى تعزيز السلم والأمن والاستقرار في القارة.
بداية من أشغال الاجتماعات رفيعة المستوى ومشاورات بين مؤسّسات الاتحاد الإفريقي، وصولا إلى المهمة الميدانية إلى السودان، دفعت الدبلوماسية الجزائرية باتجاه مقاربة أكثر التصاقا بالواقع الإفريقي، قوامها الحوار، والوقاية من النزاعات وتعزيز قدرة القارة على امتلاك زمام معالجة أزماتها.
فخلال هذه الرئاسة، حرصت الجزائر على تحويل حضورها داخل مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي إلى فعل دبلوماسي مؤثر، يجمع بين التحرّك السياسي والانخراط الميداني، أعاد التأكيد على أن استدامة السلم في القارة لا تبنى فقط عبر احتواء الأزمات بعد اندلاعها، وإنما عبر استباقها ومعالجة جذورها، وهي مقاربة تنسجم مع رؤية جزائرية راسخة تقوم على تعزيز القيادة الإفريقية، وترسيخ مبدأ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، ودعم دور المؤسسات القارية في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المتزايدة.
وعكست مختلف أنشطة المجلس خلال هذه الفترة توجها نحو تعزيز التكامل بين السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان والديمقراطية والحوكمة، مع التركيز على تحويل القرارات والالتزامات الإفريقية إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة، استهلها المجلس بمأسسة مصفوفة القرارات المعتمدة من قبل الاتحاد الإفريقي ضمن وثائق عمل إجتماعاته الدورية، بما يعزز من آليات المتابعة والتقييم.
وانطلاقا من قناعتها بأهمية إيجاد حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية، واصلت الجزائر الدفع نحو تعزيز قدرة مجلس السلم والأمن على مرافقة الدول التي تشهد نزاعات أو انتقالات سياسية، حيث شملت تحركاتها ملفات الساحل والسودان وجنوب السودان إلى جانب دعم تنشيط خارطة الطريق الرئيسية للاتحاد الإفريقي حول إسكات البنادق.
وامتدادا لتحرّكها الرامي إلى ترسيخ مقاربة إفريقية استباقية للتعامل مع الأزمات، ركزت الجزائر خلال رئاستها على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات والوقاية من تجددها من خلال الربط بين الأمن والتنمية ومواجهة الفقر والبطالة والتطرف العنيف والإرهاب والجريمة المنظمة. كما أولت عناية بالغة لتطوير منظومة إفريقية أكثر نجاعة للإنذار المبكر والاستجابة السريعة، تمثلت في اعتماد عدد من الأدوات القارية، من بينها أداة التقييم القاري للمخاطر ورسم خرائط التهديدات، ونموذج الاتحاد الإفريقي لتفعيل الاستجابة، ونظام الإنذار المبكر للحوكمة التابع للآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء.
وفي في إطار مساعيها الرامية إلى تعزيز الصوت الإفريقي داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، عملت الجزائر على وضع آليات من شأنها توحيد مواقف المجموعة الإفريقية في مجلس الأمن الأممي "A3" وتنسيق تحركها الدبلوماسي تمثلت في إعداد مصفوفة للمواقف الإفريقية المشتركة بشأن قضايا السلم والأمن، ووضع خطة عمل سنوية لها، وتعزيز التنسيق بين مجلس السلم والأمن والمجموعة الإفريقية في نيويورك وجنيف.
ولم تكتف الرئاسة الجزائرية بالتحرّك في مسارات الأزمات، بل جعلت من المشاورات وتكثيف الجهود بين مختلف أجهزة وآليات الإتحاد الإفريقي أحد أبرز مرتكزات رئاستها لمجلس السلم والأمن، إدراكا منها بأن فعالية العمل الإفريقي لا تقاس بالقرارات المتخذة وإنما بقدرة مؤسساته على تحويلها إلى إجراءات عملية موحدة ومتناسقة.
وقادت الجزائر مشاورات إفريقية لتعزيز التكامل بين السلم والحوكمة وحقوق الإنسان تجسّدت في جملة من الاجتماعات التشاورية لمجلس السلم والأمن واللجنة الفرعية للجنة الممثلين الدائمين المعنية بحقوق الإنسان والديمقراطية والحوكمة وهيكل الحوكمة الإفريقي وهيكل السلم والأمن الإفريقي"AGA-APSA" وكذا مع اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالإضافة إلى اجتماعه التشاوري الثاني مع برلمان عموم إفريقيا.
هذه الديناميكية التي انتهجتها الجزائر أكدت أن رئاستها لم تقتصر على معالجة الملفات الأمنية الطارئة فحسب، وإنما سعت إلى تعزيز البنية المؤسسية الإفريقية للسلم والأمن وتطوير أدوات الإنذار المبكر وترسيخ وحدة الموقف الإفريقي، الأمر الذي يزيد من قدرة القارة على مواجهة تحدياتها بصورة جماعية ومستقلة. وبذلك، تكون هذه الرئاسة قد عزّزت حضور الدبلوماسية الجزائرية ودورها الفاعل في جهود حفظ السلم والأمن بالقارة، مؤكدة نهجا دبلوماسيا استباقيا يقوم على الوساطة والحوار وتكثيف التنسيق الإفريقي، باعتبارها أدوات أساسية للوقاية من الأزمات واحتوائها، وترسيخ قدرة القارة على معالجة تحدياتها بآلياتها ومؤسساتها، بما يفضي إلى بناء قارة أكثر أمنا واستقرارا، قادرة على تحقيق تطلعات شعوبها في السلم والتنمية والازدهار.