جو بايدن في كييف

حسابات الغرب ومنطق روسيا في أوكرانيا

حسابات الغرب ومنطق روسيا في أوكرانيا
  • 770
م. م م. م

وصل نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن أمس إلى العاصمة الأوكرانية كييف، في زيارة تحمل الكثير من الدلالات السياسية بأبعاد استراتيجية في سياق زخم التوتر الذي تعرفه مناطق شرق هذا البلد.وحتى إن كانت الزيارة مبرمجة منذ أزمة شبه جزيرة القرم الشهر الماضي، إلا أن ذلك لا يمنع من القول إن الإدارة الأمريكية أرادت توجيه رسالة سياسية قوية باتجاه روسيا، التي أصبح يُنظر إليها على أنها المسؤول الأول عما يجري في هذه الجمهورية السوفياتية السابقة؛ عقابا لها على رغبة سلطاتها في قطع الصلة مع موسكو وتغيير وجهتها باتجاه الدول الغربية.

ويؤكد وصول نائب الرئيس الأمريكي إلى كييف، أن الولايات المتحدة تولي اهتماما خاصا لما يحدث في هذا البلد من تطورات قد تُخلط حساباتها الاستراتجية، في منطقة أرادت أن تكون مفتاح التضييق على روسيا في مجالها الإقليمي القريب.

ولكن ما الذي يمكن أن يقدمه نائب الرئيس الأمريكي من دعم للسلطات الانتقالية الأوكرانية؛ من أجل إخراجها من عنق زجاجة التمرد الذي فرضه الموالون لروسيا، وأصبحوا يهددون حتى الوحدة الترابية لأوكرانيا؟

ويُطرح مثل هذا التساؤل إذا علمنا أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي فوجئ كما فوجئت كل الدول الغربية الأخرى، بتسارع الأحداث في أوكرانيا، سبق وأن أرسل وزيره للخارجية جون كيري إلى كييف في زخم أحداث شبه جزيرة القرم، ولكنه عاد خائبا، وقد فشل في منع اقتطاع إقليم بأهمية هذه الجزيرة المطلة على البحر الأسود من دولة تريد اللحاق بركب الدول الغربية.

وبالعودة إلى تلك الأحداث فقد بقيت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في موقع المتفرج على أحداث لم تكن تنتظرها، وواقعة هي الأولى في تاريخ أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؛ حيث يتم اقتطاع إقليم بكامله من دولة، وضمه إلى دولة أخرى دون أن تتمكن أية دولة من منع وقوعه.

ويتأكد الآن أن الولايات المتحدة أصبحت تبدي مخاوف متزايدة من تكرار ما حدث في شبه جزيرة القرم في مناطق أوسع من شرق هذا البلد، ليكون بمثابة صفعة قوية للدول التي تريد التضييق على روسيا.

والخوف الأكبر أن الدول الغربية تخشى أن تمتد العدوى الأوكرانية إلى دول أخرى كانت تحت المظلة السوفياتية، وخرجت عن طاعتها بمجرد تفكك ما كان يُعرف باسم المعسكر الشيوعي وخاصة تلك التي تضم أقليات ناطقة بالروسية، وهم يشعرون مثل نظرائهم في جزيرة القرم، بأنهم أقرب إلى موسكو منهم إلى البلدان التي يحملون جنسياتها.

فلا الولايات المتحدة ولا دول الاتحاد الأوروبي تريد أن يعاد النظر في خارطة جغرافية تسير حدودها في الاتجاه الذي يخدم رغبات موسكو، ويثير سخط الدول الغربية.

وإذا تحقق مثل هذا الاحتمال فإن ذلك سيكون بمثابة مناسبة لانتقام روسي من دول أرادت أن تضيّق الخناق عليها بأنظمة دفاعية عسكرية على حدودها الغربية، وهو ما اعتبرته ضربة قوية لأمنها القومي، ولكنها لم تتمكن من فعل أي شيء لمنعه.

وتبقى ورقة الأقليات الروسية في هذه الدول الورقة القوية التي بحوزة موسكو، وهي على قناعة تامة بأن العواصم الغربية تدرك ذلك جيدا، وأن هامش تحركها ضدها ضيّق بكيفية لا تستطيع أن تقوم بأي شيء من أجل وقفه.

وهو ما يجعل اتفاق جنيف الأخير مجرد بنود قد لا تجد طريقها إلى التجسيد بعد أن اتهمت السلطات الروسية نظيرتها الأوكرانية بخرقه، وبالتالي فتح الباب واسعا أمام المتمردين الأوكرانيين لتحقيق مبتغاهم بالانضمام إلى روسيا.