في ظل عقبات كبيرة تواجه الإغاثة الإنسانية في غزة

حرب إبادة مستمرة تحت غطاء وقف إطلاق النار

حرب إبادة مستمرة تحت غطاء وقف إطلاق النار
  • 113
ص. م ص. م

يواصل الاحتلال الصهيوني فصول إبادته في قطاع غزة، ولكن هذه المرة تحت غطاء وقف إطلاق النار الذي وقعه في التاسع أكتوبر الماضي في شرم الشيخ بمصر برعاية أمريكية وإشراف مباشر من الرئيس، دونالد ترامب، ولكنه على أرض الواقع يتنصل من التزاماته ولم يتوقف عن انتهاكه وخرقه بأشكال متعددة من قصف مستمر ونسف للمنازل واستهداف للنازحين في خامهم البالية واعاقة متعمدة لوصول الاغاثة لمستحقيها من سكان غزة العزل.

وضمن هذا الوضع الذي يبقى وصمة عار على جبين هذا العالم، نفذت قوات الاحتلال الصهيوني، أمس، عمليات قصف ونسف منازل في عدة مناطق شرق القطاع، إلى جانب شن غارات جوية واعتقال صيادين اثنين من بحر مدينة غزة، في استمرار لخروقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منذ العاشر أكتوبر الماضي. وأفادت مصادر محلية بأن مدفعية الاحتلال استهدفت مناطق شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع، بالتزامن مع غارتين جويتين شنتهما طائرات الاحتلال على المنطقة ذاتها، فيما نفذ جيشه عمليات نسف واسعة لمنازل شمالي القطاع، خاصة في محيط بلدة بيت لاهيا.

وبينما شنت طائرات الاحتلال سلسلة غارات جوية على مدينة رفح جنوب قطاع غزة، إضافة إلى مناطق شرق خان يونس، أطلقت زوارق حربية إسرائيلية قذائفها ونيران رشاشاتها تجاه ساحل مدينة غزة، قبل أن تلاحق مركب صيد وتعتقل صيادين اثنين أثناء عملهما في البحر واقتادتهما إلى جهة غير معلومة. وتأتي هذه التطورات في ظل تواصل الخروقات الصهيونية لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث أفادت وزارة الصحة في غزة عن استشهاد 603 فلسطينيين وإصابة 1618 آخرين، علاوة عن انتهاك البروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال الوقود والمساعدات إلى القطاع.

وهي حقيقة أكدها المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، الذي أشار إلى أن الاحتلال الصهيوني لا يزال يعرقل عمليات الإغاثة الإنسانية بقطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر الماضي. وأوضح، في تصريحات صحافية، أنه من بين حوالي 50 مبادرة إغاثية نسقت بين 6 و11 فيفري الجاري، لم يسمح الاحتلال الصهيوني إلا لنصفها بالدخول إلى غزة.وكان مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، وصف الوضع في غزة جراء العدوان الصهيوني، بانه أحد أكبر المآسي من صنع الإنسان في العصر الحالي، داعيا إلى السماح بتوسيع وصول الوكالات الأممية إلى القطاع من أجل تعزيز جهود إزالة الركام والنفايات وتوفير مساكن الإيواء والمعدات الطبية وإجلاء المرضى. 

وأوضح خلال أول زيارة له إلى غزة، أن الوضع بهذا الجزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، يشكل أحد أكبر المآسي من صنع الإنسان في العصر الحالي، مضيفا انه "لا يسع المرء إلا أن يشعر بالحزن العميق لرؤية البؤس الشديد الذي يعانيه الناس هنا في محاولتهم البقاء على قيد الحياة".

من جانبه، أعلن الأمين العام لمنظمة "أطباء بلا حدود"، كريستوفر لوكيير، أن المنظمة لم تتمكن من إيصال أي مساعدات أو إمدادات إنسانية إلى قطاع غزة منذ مطلع العام الحالي بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال الصهيوني.  ووصف الوضع الإنساني بانه "كارثي" ولا يزال مستمرا في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.. وأن الاحتياجات الإنسانية "هائلة". 


وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة لمسار "الضم الزاحف"

قلق أممي من توسيع الاحتلال الصهيوني سلطاته على الضفة

أعربت المتحدثة باسم "مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان"، رافينا شامداساني، عن مخاوف عميقة إزاء توسيع سلطات الاحتلال الإسرائيلي لنطاق سيطرتها في الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أن هذه الخطوات تسهل عمليات التهجير القسري للفلسطينيين.

وقالت شامداساني في تصريحات صحفية، أمس، إن قرار حكومة الاحتلال توسيع أنشطة الرقابة والسيطرة في المناطق الخاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية يثير إشكاليات قانونية وحقوقية جدية، مشيرة إلى أن هذه الإجراءات تفرض ضغوطا متراكمة على السكان الفلسطينيين وتعمق هشاشة أوضاعهم المعيشية. وحذرت من أن التسارع في هذه الخطوات يعزز واقعا يقود إلى ضم غير قانوني للأراضي الفلسطينية، في انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي، لافتة إلى أن السياسات المتبعة تهدف إلى تغيير الوضع القانوني والمدني في الضفة الغربية لفرض سيادة إسرائيلية دائمة عليها.

وأكدت شامداساني أن الضفة الغربية تعيش "بيئة ضاغطة للغاية" تفاقمت منذ السابع من أكتوبر 2023، بالتزامن مع الحرب المستمرة على قطاع غزة، مشيرة إلى أن التضييق على الحيز المتاح للفلسطينيين للعيش والعمل تصاعد بشكل دراماتيكي خلال الأشهر الأخيرة. وفي تقييمها للوضع العام، أوضحت أن الأمم المتحدة ترصد منذ سنوات طويلة انتهاكات منهجية لحقوق الفلسطينيين، بينها أشكال من التمييز المستمر قد ترقى، في توصيفها القانوني، إلى مستوى نظام فصل عنصري "أبارتهايد".

ودعت شامداساني المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف هذا النهج التصعيدي، وإلزام إسرائيل باحترام التزاماتها كقوة احتلال بموجب القانون الدولي، محذرة من أن الصمت الدولي سيؤدي إلى ترسيخ واقع غير قانوني يصعب التراجع عنه، وخلصت إلى أن تكثيف القتل والاعتقالات والتوسع الاستيطاني يمهد الطريق لضم الضفة الغربية رسميًا، محذرة من تداعيات خطيرة في حال استمرار هذه السياسات دون مساءلة دولية. وترى الأمم المتحدة أن هذه التطورات تقوض ما تبقى من تفاهمات اتفاقية "أوسلو 2" الموقعة عام 1995، والتي قسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية وأمنية، إذ اصبحت المنطقة "أ"، التي كانت تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، مهددة بتدخل إداري وأمني إسرائيلي مباشر ينهي خصوصيتها القانونية.

ووثق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 1052 فلسطينيً في الضفة الغربية، بما فيها "القدس الشرقية"، منذ بدء التصعيد الأخير، سقطوا برصاص قوات الاحتلال أو خلال اعتداءات نفذها مستوطنون تصفهم المنظمة الدولية بغير القانونيين. كما رصد أنماطًا من الانتهاكات المنهجية، شملت الضرب المبرح والاحتجاز التعسفي في ظروف وصفت باللاإنسانية، إلى جانب تصاعد القيود على حرية الحركة، ما أعاق وصول السكان إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

وفي سياق متصل، أصدر "المركز الفلسطيني للدراسات السياسية" ورقة تحليلية جديدة تسلط الضوء على تحول جوهري في السياسات الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، بعد أن صادقت حكومة الاحتلال على بدء إجراءات تسجيل الأراضي في الضفة لأول مرة منذ عام 1967. ويعد القرار الصادر قبل يومين، أحد أوسع وأخطر الخطوات لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، بحسب الورقة التي حملت عنوان "الضم الزاحف في الضفة الغربية.. قراءة تحليلية للقرارات الإسرائيلية الأخيرة وآثارها القانونية والجغرافية".

وتشرح الورقة أن هذه القرارات لا تعد إجراءات إدارية عابرة، بل جزء من مسار مؤسسي لتكريس ما يمكن وصفه بـ "الضم الزاحف" عبر أدوات قانونية وإدارية متراكبة من بينها إلغاء العمل بالقانون الأردني لعام 1953 الذي كان يقيد ملكية الأراضي في الضفة ونقل صلاحيات تسجيل الأراضي إلى وزارة القضاء الإسرائيلية وتوسيع صلاحيات الإدارة المدنية والجيش إلى داخل المناطق المصنفة "أ" و«ب".

وتعتبر هذه الخطوات، بحسب التحليل، خلافا للمبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني، بأن الأرض المحتلة لا يمكن إخضاعها لقانون سيادي داخلي، كما أنها تتجاوز الأسس التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو بشأن الوضع القانوني للضفة الغربية. وتفيد الورقة بأن القرار أثار إدانة فلسطينية ودولية واسعة، مع وصفه بأنه "ضم بحكم الواقع". وقد أثارت هذه الاجراءات التعسفية لتشريع سرقة الرض الفلسطينية المحتلة، ردود فعل دولية واسعة، حيث دعت دول عربية وإسلامية والاتحاد الأوروبي إسرائيل إلى التراجع عن قرار تسجيل الأراضي وإلغائه، معتبرة أن الخطوة تشكل "تسريعا للاستيطان غير القانوني ومساسًا بالحل القائم على دولتين".

وفي ختام الورقة، دعا المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى إعادة تقييم الفلسطينيين والأطراف الدولية لأدوات المواجهة القانونية والسياسية وتعزيز الجهود الدبلوماسية والقانونية لمنع ترسيخ واقع الضم عبر توثيق ملكيات الأراضي وتحريك الملفات أمام المحاكم الدولية وتحريك الضغط الدبلوماسي المتخصص لحماية الحقوق الفلسطينية.