من مروّج لاقتصاد الحشيش إلى منصة إقليمية لتصنيع المخدرات الكيميائية
المخزن يرعى مختبرات سرية للسموم لإغراق دول الجوار
- 46
ق. د
أضحى المغرب بيئة حاضنة لمختبرات سرية تنتج المهلوسات والمؤثرات العقلية، بتحوّله من مروّج لاقتصاد الحشيش التقليدي إلى تصنيع المخدرات الكيميائية وتهريبها عبر الحدود، بينما تتسع أنشطة شبكات الاتجار وتبييض العائدات، لتغدو المملكة منصة إقليمية لتصنيع هذه السموم وإغراق دول الجوار بها.
تبرز المعطيات الدولية أن التحوّل لم يعد مقتصرا على تهريب المخدرات الصلبة، بل امتد إلى معالجتها وتحويلها داخل المملكة، حيث أبرزت الشبكة البحثية الدولية التي تعنى بالجريمة المنظمة العابرة للحدود وقضايا الاتجار بالمخدرات ومقرها جنيف، وجود مختبر لتحويل الكوكايين في مدينة وجدة بالمغرب منذ 2016 يديره كيميائيون، ارتبط بمعالجة 250 كيلوغرام من الكوكايين المكرر في ذات السنة.
وتأتي هذه الحقائق لتفضح الدور المركزي للمغرب منذ سنوات، في معالجة الكوكايين وظهور مواد مصنعة محليا، فضلا عن تطوير الشبكات الإجرامية المغربية من قدراتها في هذا المجال. ففي هذا السياق برزت "البوفا"، المعروفة بـ"كوكايين الفقراء"، باعتبارها أحد أبرز مظاهر التصنيع المحلي، حيث يتم إعدادها من بقايا الكوكايين ومواد كيميائية وعقاقير. وظهرت في المغرب منذ سنة 2020 قبل أن تتوسع بشكل لافت.
وفي هذا الإطار تكشف التحقيقات الإسبانية أن التصنيع المغربي لا يتم بمعزل عن الخارج، بل يعتمد على شبكة تتجاوز الحدود. فقد أعلنت الشرطة الإسبانية في جانفي 2022 عن تفكيك شبكة إجرامية دولية كانت تتاجر بالأدوية المستخدمة في تصنيع ما يعرف بقرص "الكركوبي" داخل المغرب (نوع من المؤثرات العقلية التي يتم تحويلها إلى مخدرات مهلوسة) وضبطت 200 ألف قرص من المؤثرات العقلية في إسبانيا، فيما تجاوز مجموع المحجوزات 500 ألف قرص امتدادا لنفس العملية.
وتستعرض هذه القضية معنى أوسع لتطوّر التصنيع داخل المملكة، إذ تكشف أن بعض المواد الأولية تأتي من الخارج كأدوية مشروعة، قبل أن تدخل في عملية تصنيع غير شرعي لإنتاج المهلوسات داخل المغرب. وأوضحت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسباني "آر تي في" أن "الكركوبي" يصنع في المغرب باستخدام أدوية قادمة من الخارج على غرار تلك المتعلقة بداء الصرع قبل أن تتحوّل إلى مادة مخدرة.
وهكذا تجد دول الجوار نفسها أمام تداعيات منظومة اجرامية تبدأ بالحصول على مواد دوائية وتنتهي بمخدر خطير مصنع في مختبرات متوزعة عبر مختلف مدن المملكة، بينما تتحمل المجتمعات المتضررة خارج المغرب الكلفة الباهظة لتمدد هذه الشبكات. ولا تقف هذه الشبكات عند مسار واحد، إذ تكشف التحقيقات الأوروبية امتداد نشاطها المرتبط بالمغرب عبر مسارات متعددة، ففي جوان 2025 فككت الشرطة الإسبانية شبكة تنشط بين المغرب وإسبانيا وضبطت كمية هائلة من أحد أخطر أنواع المهلوسات وهو قرص “الكلونازيبام” و22 كيلوغراما من الحشيش.
وتمنح خريطة المهلوسات بعدا جغرافيا لهذا التوسع، فقد ارتبط النشاط الإجرامي بالدار البيضاء والرباط وفاس وطنجة وسطات والجديدة وخريبكة، إضافة إلى الدروة والهرويين ومديونة والرحمة وبوسكورة. ولا يعني ذلك أن جميع هذه المواقع مختبرات سرية وإنما ارتبطت بالنشاط كمواقع للتحضير أو التخزين أو الترويج، ما يكشف اتساع المجال الذي تتحرك فيه الشبكات الإجرامية المغربية وعدم انحصارها في نقطة واحدة.
وبذلك تتجلى مسؤولية المخزن بأوضح صورها، ليس فقط في حجم المخدرات التي تمتد تداعياتها إلى دول الجوار، بل في استمرار البيئة التي تتيح للشبكات الإجرامية إعادة تنظيم نفسها وتوسيع نشاطها. فانتشار المختبرات السرية وتنوّع المواد المخدرة واتساع رقعة النشاط وتطوّر أساليب التصنيع وامتداد الشبكات إلى الخارج، كلها مؤشرات لا تعكس ظاهرة يجري تطويقها، بل منظومة إجرامية متشعبة تواصل التكيف مع الإجراءات الأمنية الأوروبية وتوسيع نفوذها، مستفيدة من حالة التغاضي والتراخي داخل المملكة والتي تسمح لها بإعادة إنتاج نفسها وتعزيز امتدادها الإقليمي.