الكرامة لا تُساوَم

الكرامة لا تُساوَم
  • 85
بقلم: محمد فاضل محمد إسماعيل بقلم: محمد فاضل محمد إسماعيل

ليست كلُّ الطرق تؤدّي إلى العدل، ولا كلُّ التسويات تُنصف الحق. فأنصاف الحلول حين تُطرح في سياق صراع مع قوّة توسعية، لا تكون إلا ميلا خفيًّا نحو مصلحة الأقوى، ذلك لأن من اعتاد الاتساع لا يرضى بالقليل، ومن جعل التمدّد طبيعته لا يرى في "النّصف" إلا عتبةً يعبر منها إلى ما تبقّى.

القضية هنا ليست ورقةً تفاوضية، بل حصنًا. حصنٌ بُني بالحجارة الأولى من الوعي ورُفع سقفه بعرق النّاس، وثُبّتت جدرانه بالدماء والتضحيات. والحصون لا تُباع قطعةً قطعة لأن الحجر الذي يُنتزع اليوم لا يفتح ثغرةً فحسب، بل يشرّع الباب غدًا لريحٍ تعصف ثم لغبارٍ يطمس ثم لاجتياحٍ لا يُبقي ولا يذر.

هناك من ينظر إلى العالم بعين السوق وحدها، يرى الأرض سلعة والإنسان موردًا، والعلاقات عقودًا مؤقتة، والمواقف أوراقًا قابلة للمساومة. في منطقه، كلّ شيء معروض: تُشترى المواقف كما تُشترى السلع، وتُقايض المبادئ كما تُقايض العملات. وحين يُعجزه الشراء يحاول أن يفرض منطقه بقوة الأمر الواقع ثم يُلبسه ثوب "الحلّ العملي".

غير أن التاريخ علّم الشعوب درسًا لا يصدأ: ما يُنتزع بالتدرّج باسم الواقعية، يُفقد دفعةً واحدة حين يختلّ ميزان الكرامة، فالأوطان التي تبدأ بالتنازل عن بعض حقّها، لا تلبث أن تستيقظ وقد فقدته كلّه؛ والسيادة التي تُجزّأ لا تحمي أرضًا ولا تصون قرارًا.

لسنا ضدّ التجارة، ولا ضدّ التعاون، ولا ضدّ تبادل المنافع؛ فالعالم لا يُبنى بالعزلة، بل بالتكامل الرشيد. لكنّ الفرق شاسع بين اقتصادٍ يخدم الإنسان وعقليةٍ تُحوّل الإنسان ذاته إلى بضاعة. الفرق بين شراكةٍ تحفظ الكرامة، وصفقةٍ تختبر حدودها. نحن نقبل اليد الممدودة تعاونًا، ونرفض اليد التي تمتدّ لتقيس قابليتنا للبيع.

 الأرض ليست عقارًا في مزاد، والعِرض ليس بندًا تفاوضيًا، والمبادئ ليست أسهمًا في بورصة المصالح. التضحيات التي رُويت بها صفحات التاريخ لا تُستعاد بنصف ثمن، والعهود التي قُطعت باسم الشّعب لا تُختزل في ورقة تفاهم. الحرية ليست امتيازًا يُمنح والسيادة ليست هبةً تُستعار والكرامة ليست رقمًا في ميزان الربح والخسارة.إنها نسيجٌ واحد؛ إذا تمزّق منه خيط بان الضعف في الثّوب كلّه. لذلك فهي لا تدخل الأسواق ولا تُقاس بثمن ولا تمتدّ إليها يدٌ للتسويق. تُصان باسم الشّعب وتُدار بإرادته، وتبقى في خدمته لأنها ملكٌ حصري له لا لوكيلٍ ولا لسمسار، ولا لمن يختزل السياسة في حسابات الربح الآني.

 قد يختلف معنا أصحاب المال في زاوية النّظر، وقد يرون في السياسة ساحةً للمساومات الرحبة. لا نعيب عليهم اختيارهم لكننا لا نتبنّاه. يمكن أن نتعاون، أن نتقاسم المنافع، أن نفتح أبواب الشراكة، لكن ضمن حدٍّ واضحٍ لا يُمسّ: حدّ الكرامة. فنحن لا نساوم على الأساس، وإذا فُرضت علينا المساومة عبّرنا عن رفضنا برفع منسوب النّضال لا بخفض سقف الموقف.

فالكرامة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا ورقة ضغط تُخفى عند الصفقة؛ إنها أساس البيت كلّه. وإذا كان البيت قائمًا على الكرامة فلا ريح تهزّه، ولا صفقة تُغريه ولا نصف حلّ يُقنعه بأن يتنازل عن نصف وجوده.

لهذا نقولها بلا تردّد:

يمكن أن نفاوض على المصالح،

يمكن أن نختلف حول الوسائل،

لكننا لا نفاوض على الكرامة.

لأن ما يُباع مرة، يُطلب بيعه دائمًا،

وما يُصان كاملًا اليوم، يبقى كاملًا غدًا.