في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية
أي حظ لصمود الهدنة في قطاع غزة...؟
- 801
م. م
ماذا بعد اتفاق وقف اطلاق النار في غزة...؟ سؤال أجمع المتتبعون لأطوار حرب الإبادة التي كابد أطوارها الفلسطينيون لمدة أحد عشر يوما، على طرحه بإلحاح كون إسكات دوي الصواريخ والمدفعية والطائرات لا يعني أن خطر اشتعال فتيل حرب جديدة في أي لحظة أصبح في حكم الماضي. وهو تساؤل يفرض نفسه أيضا كون التململ الذي تعيشه القدس وأحياء الشيخ جراح وباب العمود والسلوان مازال قائما تماما، كما كان عليه الأمر قبل الاثنين الاسود الذي عرف بدء العدوان الاسرائيلي ضد المقدسيين وتوسع رقعته إلى قطاع غزة وأراضي فلسطين التاريخية.
وكان تحامل قوات الاحتلال أمس ضد سكان القدس الذين شاركوا في مسيرة داعمة لعائلات حي الشيخ جراح والعنف الذي صاحبها أكبر مؤشر على احتمال انهيار الهدنة الهشة التي تم التوصل إليها فجر يوم الجمعة الأخير. ويتأكد أن حكومة الاحتلال بقمعها المشاركين في مسيرة سلمية لفك الحصار المفروض على عائلات حي الشيخ جراح أرادت إظهار حزمها في التعامل مع الفلسطينيين وأن منطق القوة الذي دأبت على استخدامه لإسكات أصواتهم، سيتواصل دون وضع حساب لتعبات ذلك على الوضع العام ومخاطر العودة إلى نقطة الصفر مع احتمالات متزايدة لأزمة أكثر تعقيدا من شأنها إغراق كل المنطقة في متاهة الفوضى الشاملة. وهي الحقائق التي جعلت أعضاء مجلس الأمن يؤكدون في بيان أول اجتماع لهم بعد العدوان على ضرورة التزام إسرائيل وحركة حماس باحترام "كامل" لاتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة وعلى أهمية التوصل إلى سلام شامل يعتمد على مبدأ "حل الدولتين" تعيشان جنبا إلى جنب في سلام ضمن حدود أمنة ومعترف بها.
وهو التصوّر الذي طرحه وزير الخارجية الأمريكي، انتوني بلنكن، أمس، عشية شروعه في جولة شرق ـ أوسطية بعد العدوان الإسرائيلي وقال إن إقامة دولة فلسطينية مستقلة تبقى بمثابة الحل لإعادة الأمل للفلسطينيين بعد عقود من العنف. وقال بلنكن، إن الرئيس بايدن واضح في هذا الشأن ويبقى متمسكا بخيار حل الدولتين، كونه الخيار الوحيد لضمان مستقبل وأمن إسرائيل وكذا إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وأضاف أنه "أمر مهم بالنسبة للفلسطينيين لأن تكون لهم فرصة العيش في سلام وأمن والأمر كذلك بالنسبة للإسرائيليين وبقناعة أن الفلسطينيين والاسرائيليين يجب أن يتعايشوا جنبا إلى جنب في مستوى واحد من الأمن والسلم والكرامة". ولكن الوزير الأمريكي أكد في المقابل أنه من السابق لأوانه الحديث عن مفاوضات مباشرة في إطار حل الدولتين وأن الأولوية حاليا تبقى لتقديم الدعم الدولي لسكان قطاع غزة وإعادة إعمار ما دمرته حرب الأحد عشر يوما.
ويبدو أن أعضاء مجلس الأمن ومعهم الإدارة الأمريكية، انتقلوا إلى مرحلة متقدمة في وضع تصوراتهم لما بعد العدوان وقفزوا على حقيقة الواقع اليومي الذي يحياه الفلسطينيون في مواجهة الممارسات الإسرائيلية وخاصة تلك التي يقوم بها عتاة المستوطنين، ضد سكان القدس الشريف والذين كانوا السبب المباشر في انفراط عقد "التعايش الوهمي" في القدس الشريف، جراء اعتداءاتهم اليومية وتدنيسهم للمقدسات الإسلامية ومحاولاتهم المتواصلة لإرغام المقدسيين على مغادرة منازلهم المتوارثة أبا عن جد، بقوة الإكراه. وهو ما جعل وزارة الخارجية الفلسطينية، أمس، تدين استمرار اقتحام قوات الاحتلال والمستوطنين المتطرفين لباحات المسجد الأقصى معتبرة ذلك بمثابة استخفاف بالمواقف الدولية التي شدّدت على ضرورة وقف الاعتداءات على القدس والمسجد الأقصى الشريف.
وأضافت الوزارة أن حكومة الاحتلال تحاول تجاهل السبب الرئيسي الذي دفع بالشعب الفلسطيني إلى الثورة ضد الحيف الاسرائيلي وتوجيه الاهتمام بعيدا عن احتلالها للقدس وعن إجراءاتها العدوانية التي تستهدف المدينة المقدسة ومقدساتها ومواطنيها ضمن محاولات هدفها القفز على المواقف والجهود الدولية، الرامية لتثبيت وقف إطلاق النار وإعادة إحياء عملية السلام من يساعد في إيجاد بيئة مناسبة لإعادة تفعيل المفاوضات بين الجانبين. وهي تصرفات تغذيها حكومة الاحتلال التي مازالت تصر على جعل القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، ويأبى الفلسطينيون أن يقبلوا بسياسة الأمر الواقع ويصرون أن القدس قدسهم والمسجد مسجدهم ولا توجد قوة في العالم قادرة على اجتثاثهم من أرضهم وقناعتهم في ذلك "إذا عدتم عدنا" والبادئ أظلم. فقد اقتحم عشرات جنود الاحتلال، ساحات المسجد الأقصى، واعتدوا على المصلين لمنعهم من أداء صلاة الفجر وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة على أبواب المسجد والطرقات المؤدية إليه في محاولة لمنع صغار السن من أداء الصلوات فيه.
وأكدت مصادر فلسطينية، إقدام قوات الاحتلال على شنّ حملة اعتقالات طالت عددا من الفلسطينيين من سكان مدن رام الله والبيرة ونابلس وجنين والقدس الشريف ضمن تجاوزات تجعل من ترحيب مجلس الأمن الدولي باتفاق الهدنة مهزوزا من حيث قدرة صموده في وجه هذه الانتهاكات مما يجعل أعضاء المجلس مطالبين بحزمة إجراءات عملية لمنع انهيار الاتفاق. وهي الإشكالية التي ستفرض نفسها على اجتماع آخر للهيئة الأممية هذا الخميس والذي سيخصص لبحث الموقف في الأراضي الفلسطينية ومعها مستقبل العملية السياسية والبدء في نزع فتيل الصراع من خلال إرغام الاحتلال على القبول بمبدأ "حل الدولتين" كخيار وحيد لتحقيق الأمن مع كل الإجراءات المصاحبة وخاصة وضع حد للاستيطان وإزالة البؤر الاستيطانية التي ابتلعت أهم الأراضي الفلسطينية ضمن مخطط استيطاني صهيوني مخطط له منذ عقود.