الذّكرى الـ55 لتأميم المحروقات
من السيادة الطاقوية إلى استشراف مستقبل
- 129
حنان. ح
تحيي الجزائر اليوم الذّكرى الـ55 لتأميم المحروقات، في ظل مشهد طاقوي متذبذب بفعل التوترات الجيوسياسية التي باتت تفرض على المنتجين والمستهلكين التفكير في أفضل الطرق لضمان التوازن في الإمدادات والأسعار، واختارت الجزائر في هذا الخضم أن تحافظ على مكانتها الطاقوية الرائدة من خلال الانخراط في مسار الانتقال الطاقوي عبر نموذج مزدوج.
أوضح الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول، أن هذا القرار الاستراتيجي عزّز السيادة الاقتصادية متيحا لشركة سوناطراك السيطرة على الإنتاج وتمويل التنمية الوطنية"، حيث تساهم سوناطراك بنسبة 92 بالمائة من عائدات العملة الأجنبية للبلاد، ما يعني أن الشركة التي أنشئت من رحم قرار تأميم المحروقات، أصبحت العصب الحيوي للاقتصاد الجزائري، وللتنمية التي تقودها السلطات العليا للبلاد لتحقيق النّمو والرفاه، ولتجسيد مبدأ الدولة الاجتماعية الذي رسّخته الجزائر المستقلّة استجابة لبيان أول نوفمبر 1954. وبهذا يؤكد مبتول، أن سوناطراك أصبحت لاعبا رئيسيا وأصبح قطاع المحروقات ركيزة الاقتصاد الجزائري، ما يجعل من الاحتفال بيوم 24 فيفري مناسبة للتأكيد على أهمية الاستقلال الاقتصادي الذي يحفظ كرامة الجزائريين، لاسيما وأنه يتزامن مع تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين عام 1956.
وأشار إلى أن مشهد الطاقة العالمي الراهن تغيّر مما يفسر سن العديد من قوانين المحروقات لتكييف سياسة الجزائر مع التطورات العالمية الجديدة، مذكّرا أنه حتى خلال رئاسة الراحل هواري بومدين، سُمح للشركات الأجنبية بالاستثمار بموجب قاعدة 49/51، وأن قانون المحروقات الجديد يهدف ضمن إطار شراكة مربحة للطرفين، إلى اكتساب الخبرات وزيادة الإنتاج والانفتاح على الأسواق الدولية، لاسيما وأن الجزائر تعد فاعلا استراتيجيا في إمدادات الطاقة الأوروبية، سواء من خلال الغاز الطبيعي المسال (33%) أو خطوط أنابيب "ميدغاز" الرئيسية عبر إسبانيا و«ترانسميد" عبر إيطاليا (67%)، فضلا عن مشاريع الهيدروجين المستقبلية وشبكات الربط الكهربائي.
بدوره أكد الخبير الدولي في الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي، علي شقنان، أن الجزائر التي خاضت ثورة التأميم في السبعينيات من القرن الماضي، تخوض اليوم معركة الانتقال الطاقوي المرتبط بالثّورة الصناعية التي تقوم على مبدأ إزالة الكربون عبر التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة. وأوضح في تصريح لـ«المساء" أن الجزائر خطت خطوات جبّارة في صناعة الغاز الطبيعي، مكّنتها من أن تصبح رائدة بقيادة سوناطراك منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي اليوم تعد موردا موثوقا لأوروبا بفضل بنيتها التحتية الضخمة لتسييل الغاز وكذا خطوط الأنابيب.
وأشار إلى أن الجزائر تتبنّى استراتيجية مزدوجة تجمع بين تعزيز موارد الغاز كطاقة انتقالية والتطوير الطموح للطاقات المتجددة وعلى رأسها الطاقة الشمسية، وهذا وفق البرامج الواعدة التي وضعتها ولاسيما مشروع 15 ألف ميغاواط بحلول 2035، وهي في ذلك تمر بمرحلة حاسمة في تنميتها الاقتصادية والطاقوية، لكون الانتقال الطاقوي لم يعد ضروريا فحسب، بل أحد ركائز النّموذج الجديد للنّمو المستدام.