إنجازات متسارعة ومشاريع كبرى خدمة للمرضى وتكريسا للحق في العلاج
مكاسب استراتيجية في مسار تعزيز الأمن الصحي
- 178
أسماء منور
يشهد قطاعا الصحة والصناعة الصيدلانية في الجزائر قفزة نوعية، في إطار إصلاحات هيكلية باشرتها الدولة، حيث تحققت مكاسب هامة في ظرف وجيز جدا، تعكس الإرادة الكبيرة في بناء منظومة صحية متكاملة والارتقاء بأدائها، ورسم ملامح مرحلة جديدة، لتحقيق السيادة الصحية والأمن الدوائي.
شملت هذه الديناميكية عدة جوانب، من تدعيم الموارد البشرية وتوسيع الهياكل الاستشفائية، إلى تطوير الصناعة الصيدلانية، وتسريع مسار الرقمنة، وصولا إلى إدخال تقنيات علاجية متقدمة، وإيلاء مرضى السرطان عناية رئاسية خاصة، لتؤكد هذه المكاسب في مجملها أن الإصلاحات التي عرفتها الجزائر الجديدة، لم تعد تقتصر على تحسين الخدمات الصحية فحسب، بل أصبحت مشروعا وطنيا متكاملا، يعزز النظام الصحي والصيدلاني لتكريس حق المواطن في العلاج.
عيادة ذكية للعلاج بالخلايا الجذعية
استجابة لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الرامية إلى تحقيق الأمن الصحي الوطني والارتقاء بجودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، تم وضع حجر الأساس لإنشاء أول عيادة ذكية للتداوي بالخلايا الجذعية وعلاج الأمراض المناعية، الذي يمثل خطوة نوعية ورائدة في تطوير القطاع الصحي في الجزائر.
ومن خلال العيادة الجديدة، سيتم تعزيز نقل التكنولوجيا الحديثة ودعم البحث العلمي، إذ يعد المشروع جزءا من شراكات استراتيجية متعددة لتعزيز الأمن الصحي ورفع جودة العلاج في الجزائر، عبر دمج أحدث العلوم والتقنيات الطبية، مع تضافر جهود القطاعات المختلفة لضمان استدامة وتطوير القطاع الصحي.
وتعد المبادرة ثمرة تعاون علمي بين مجمع "صيدال" العمومي، وعدد من مخابر البحث المتخصصة، للتكفل بعدة أمراض مزمنة ومستعصية على غرار أمراض القلب، الدم، العيون، الجهاز التنفسي، الجهاز العصبي، العقم، الشيخوخة، إضافة إلى أنواع مختلفة من السرطان، عبر تقنيات العلاج بالخلايا الجذعية والمناعية.
ومن المنتظر أن يرسخ هذا المشروع الاستراتيجي، مكانة الجزائر كرائد إقليمي في هذا المجال الطبي المتقدم، من خلال توظيف كفاءات جزائرية معترف بها دوليا، وتعزيز التنسيق مع عدة قطاعات شريكة.
توطين إنتاج اللقاحات
بالمقابل، يشهد قطاع إنتاج اللقاحات تحولا استراتيجيا للانتقال نحو الإنتاج المحلي الكامل، وتطوير أبحاث علم الفيروسات للحد من التبعية للخارج، حيث أصبح تصنيعها محليا أحد أهم الرهانات الاستراتيجية التي تراهن عليها الجزائر لتعزيز أمنها الصحي.
وفي إطار تعزيز القدرات الوطنية، تعمل الجزائر على تحديث وحدات إنتاج اللقاحات، وتجهيزها بأحدث التقنيات المعتمدة دوليا، مع الاستثمار في تكوين الباحثين والمهندسين في مجالات التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، بما يسمح بتطوير لقاحات جديدة ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى الكفاءات الوطنية.
وتراهن السلطات العمومية على إبرام شراكات مع مخابر ومؤسسات دولية متخصصة، من أجل توطين صناعة اللقاحات الأكثر استعمالا خاصة تلك الموجهة للأمراض الموسمية والأوبئة، وتقليص التبعية للاستيراد، في ظل التحديات التي تعرفها الأسواق العالمية.
وتؤكد هذه الخطوات أن الجزائر انتقلت من مرحلة ضمان التموين باللقاحات إلى مرحلة بناء صناعة وطنية متخصصة، تجعل من اللقاح أداة لتعزيز السيادة الصحية، وتدعم جاهزية المنظومة الوطنية لمواجهة الأوبئة والأمراض المستجدة، في إطار رؤية تقوم على الاكتفاء الذاتي والابتكار العلمي.
معهد باستور.. تكريس لريادة الجزائر في الأمن البيولوجي
يعد معهد باستور أحد أهم المؤسسات العلمية والصحية المرجعية في الجزائر، حيث يضطلع بدور محوري في حماية الصحة العمومية، ومراقبة الأمراض المعدية، وتعزيز الأمن الصحي الوطني، إذ منذ إنشائه، تحول المعهد إلى ركيزة أساسية في منظومة الوقاية والاستجابة للأوبئة، بفضل ما يمتلكه من مخابر متخصصة وكفاءات علمية وخبرة معترف بها وطنيا ودوليا.
وتتجاوز مهام المعهد إجراء التحاليل المخبرية، لتشمل تنظيم التشخيص البيولوجي، والإشراف على شبكة المخابر المرجعية، ورصد الأمراض المعدية والطفيلية، وإعداد الدراسات الوبائية، وتطوير برامج البحث العلمي، فضلا عن المشاركة في إعداد السياسات الوطنية المتعلقة بالوقاية من الأمراض ومكافحتها، كما يتولى إنتاج عدد من المنتجات البيولوجية، واستيراد اللقاحات والأمصال والكواشف المخبرية التي لا يتم تصنيعها محليا، بما يضمن استمرارية تموين المؤسسات الصحية عبر الوطن.
وخلال السنوات الأخيرة، عزز المعهد مكانته باعتباره المرجع الوطني في مجال الكشف المبكر عن الأمراض المعدية، بعد تطوير قدراته التقنية والبشرية، وتوسيع شبكة مخابره الجهوية، ما سمح بتحسين منظومة المراقبة الوبائية والاستجابة السريعة للمخاطر الصحية، كما يلعب دورا محوريا في تأهيل المخابر الوطنية وتكوين الإطارات الصحية، خاصة في مجال التشخيص البيولوجي والتقنيات الحديثة.
وشكلت سنة 2026 محطة بارزة في مسيرة المعهد، بعد اعتماده رسميا من قبل المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، كمركز إقليمي للتميز في مجال الأمن البيولوجي والسلامة البيولوجية لمنطقة شمال إفريقيا، وهو اعتراف يعكس المكانة العلمية التي بلغها، وكفاءة موارده البشرية، ومستوى بنيته التحتية، وقدرته على مرافقة دول المنطقة في مجالات التكوين، وبناء القدرات، وتعزيز التعاون العلمي والتقني.
عناية رئاسية لتعزيز التكفل بمرضى السرطان
تبنت الجزائر استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة السرطان والوقاية منه، مكنتها من تحقيق مكاسب هامة، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي يحرص على توفير رعاية صحية نوعية للمواطن.
وحظي ملف مكافحة السرطان بدفعة قوية خلال سنة 2026، حيث أكد الرئيس على ضرورة اعتماد مقاربة وطنية شاملة لا تقتصر على العلاج فحسب، وإنما تشمل الوقاية والكشف المبكر والتكفل المتكامل بالمريض، مع تعزيز قدرات المنظومة الصحية لمواجهة هذا المرض.
ومن أبرز القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية، إعداد دراسة لإنجاز مستشفى متخصص في علاج السرطان على مستوى كل ولاية، في خطوة ترمي إلى تقريب العلاج من المرضى وتخفيف مشقة التنقل نحو المراكز الكبرى، فضلا عن تقليص الضغط الذي تعرفه مراكز مكافحة السرطان الحالية، وتحقيق عدالة أكبر في الوصول إلى العلاج عبر مختلف مناطق الوطن.
كما وجه السيد الرئيس تعليمات لاستحداث جهاز وطني للإشراف على توفير وتوزيع الأدوية المضادة للسرطان، بما يضمن مراقبة المخزون، وتحسين آليات التوزيع، وضمان وصول العلاج إلى المرضى في الآجال المناسبة، مع الاستغلال الأمثل للإمكانات الوطنية، وتفادي أي اضطرابات في التموين.
وشددت التوجيهات الرئاسية على ضرورة إعطاء الأولوية للكشف المبكر، وتوحيد بروتوكولات العلاج على المستوى الوطني، وتطوير العلاج الإشعاعي، وتعزيز الرقمنة من خلال رقمنة المسار العلاجي للمريض، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة تساعد على تحسين المتابعة الطبية واتخاذ القرار الصحي على أسس علمية.
صناعة الأدوية... نحو ترسيخ السيادة الدوائية
شهدت الصناعة الصيدلانية في الجزائر مرحلة جديدة من النمو والتوسع، في ظل توجه الدولة إلى جعلها أحد الأعمدة الأساسية لتحقيق السيادة الصحية وتقليص التبعية للاستيراد، من خلال تشجيع الاستثمار، وتوسيع الإنتاج المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الشراكات مع المخابر العالمية، بما يسمح بتوفير الأدوية للمواطن وضمان استقرار السوق الوطنية، التي تمكنت من تغطية احتياجاتها في أصعب الظروف
وتعكس الأرقام الرسمية هذا التطور، إذ ارتفعت نسبة تغطية السوق الوطنية بالإنتاج المحلي إلى 83 من المائة نهاية سنة 2025، بفضل دخول مصانع جديدة حيز النشاط وتوسيع خطوط الإنتاج بالمؤسسات القائمة.
كما يضم النسيج الصناعي الوطني اليوم 233 مؤسسة صيدلانية، منها 138 مؤسسة متخصصة في تصنيع الأدوية، في حين تواصل السلطات دراسة أكثر من 100 مشروع استثماري جديد، تشمل 72 مشروعا لإنتاج الأدوية و31 مشروعا للمستلزمات الطبية، ما يؤكد الديناميكية التي يشهدها القطاع وآفاق توسعه خلال السنوات المقبلة.
وانعكست هذه الديناميكية مباشرة على فاتورة استيراد الأدوية، التي تراجعت من 1.25 مليار دولار سنة 2022 إلى 718 مليون دولار سنة 2023، ثم إلى 515 مليون دولار سنة 2024، مع توقع انخفاضها أكثر بفضل مواصلة توطين إنتاج الأدوية الاستراتيجية، لاسيما الأدوية البيولوجية، وأدوية السرطان، وأقلام الأنسولين.
ولم تقتصر النتائج على تغطية احتياجات السوق الوطنية فحسب، بل امتدت إلى تعزيز الحضور الجزائري في الأسواق الخارجية، حيث ارتفعت قيمة صادرات الأدوية من 6.12 ملايين دولار سنة 2023 إلى 23.15 مليون دولار سنة 2024، بنسبة نمو تجاوزت 300 بالمائة، مع توقعات بمضاعفة هذه القيمة خلال 2025، في ظل توجه السلطات إلى جعل الجزائر قطبا إقليميا للصناعة الصيدلانية والتصدير نحو الأسواق الإفريقية.
ويواصل مجمع "صيدال" العمومي، تعزيز مكانته كفاعل رئيسي في الصناعة الصيدلانية، من خلال توسيع إنتاجه وإطلاق مشاريع استراتيجية جديدة، إلى جانب التوجه نحو تصنيع أدوية مبتكرة وأدوية بيولوجية كانت تستورد بالكامل من الخارج، كما عزز المجمع شراكاته مع شركات عالمية لنقل التكنولوجيا، وإنتاج أدوية عالية القيمة المضافة داخل الجزائر.
الرقمنة.. من أجل منظومة صحية أكثر كفاءة
يشكل التحول الرقمي أحد أبرز محاور إصلاح قطاع الصحة، حيث شرعت الجزائر في بناء منظومة صحية رقمية متكاملة، تهدف إلى تحسين جودة التكفل بالمريض، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز فعالية تسيير المؤسسات الصحية، بما يواكب التطورات التكنولوجية العالمية ويكرس مبادئ الحوكمة والشفافية.
وفي هذا الإطار، تعمل وزارة الصحة على تعميم الرقمنة عبر مختلف المؤسسات الاستشفائية، من خلال اعتماد الملف الطبي الإلكتروني، ورقمنة المسار العلاجي للمريض، وربط المؤسسات الصحية بشبكة معلوماتية موحدة تسمح بتبادل المعطيات الطبية بصورة آمنة وسريعة، بما يسهل متابعة المرضى وتحسين اتخاذ القرار الطبي.
كما شملت العملية رقمنة تسيير الموارد البشرية والصيدلية المركزية للمستشفيات والتجهيزات الطبية، وإطلاق منصات رقمية لمتابعة البرامج الصحية الوطنية، بما يضمن مراقبة أدق للمؤشرات الصحية.