"المساء" تعود إلى مسرح الأحداث بعد 24 ساعة من الفاجعة
قلوب يعتصرها الحزن.. وهبة شعبية واسعة
- 282
حنان. س
* هدوء حذر في "مستشفى 240 سرير" ونقل الجثامين إلى سطيف
تراجعت حدة الطوارئ الطبية القصوى التي عاشها مستشفى 240 سرير ببومرداس، أول أمس، عقب مرور 24 ساعة على الفاجعة المرورية المروعة الناجمة عن انحراف وانقلاب حافلة سياحية قادمة من ولاية سطيف بالطريق الاجتنابي "برحمون - الكرمة". الحادث المأساوي الذي خلّف 27 حالة وفاة وإصابة 42 آخرين بجروج متفاوتة الخطورة، أعقبه أمس، استنفار طبي وإنساني دؤوب لتأمين إجلاء المصابين الذين استقرت حالتهم الصحية، بالتوازي مع استكمال كافة الإجراءات الإدارية والقانونية المتعلقة بتحويل جثامين الضحايا إلى ولاية سطيف.
أفادت مصادر طبية من داخل مستشفى 240 سرير بمدينة بومرداس لـ"المساء"، أن الوضع الصحي لمعظم المصابين المتواجدين تحت المراقبة الطبية بالمستشفى وبمستشفى الثنية قد استقر تماما. وسجلت المصالح الطبية صبيحة أمس مغادرة حالتين بعد تلقيهما الإسعافات اللازمة وتماثلهما للشفاء، في حين لا تزال 3 حالات (امرأة وطفلان) تخضع لرعاية مركزة عقب عمليات جراحية ناجحة أوقف خلالها الطاقم الطبي نزيفا حادا على مستوى البطن، إضافة إلى تدخلات دقيقة لجراحي الأعصاب والعظام على مستوى فقرات الرقبة والجمجمة.
استقرار الحالات الحرجة ومغادرة مصابين
أكد رئيس اللجنة الطبية، البروفيسور نسيم زاوي، أن التغطية الطبية الشاملة انطلقت منذ الدقائق الأولى لوقوع الحادث، موضحا بأن معظم الحالات الصحية للمصابين مستقرة حاليا بفضل نجاح سلسلة من العمليات الجراحية الاستعجالية، قائلا إن مختصي الجراحة العامة قد تمكنوا من توقيف حالات نزيف داخلي حاد على مستوى البطن لبعض الحالات، فيما عالج جراحو العظام الكسور والرضوض البليغة. كما نفذ جراحو الأعصاب تدخلات دقيقة شملت تقويم إصابات على مستوى فقرات الرقبة، بالإضافة إلى جراحة دقيقة لإنقاذ حياة طفل أصيب بكسر في الجمجمة تسبب له في نزيف مخي. فيما أشار في المقابل، إلى تواصل العمليات الرسمية للتعرف على هوية جثامين الضحايا لتسهيل إجراءات نقلهم إلى مسقط رأسهم بولاية سطيف.
تجنّد مستمر وفائض في بنك الدم
من جهتها، أفادت مديرة مستشفى 240 سرير ببومرداس، السيدة حياة بوحالو، باستمرار عمليات التكفل الطبي الشامل بجميع ضحايا الحادث، مؤكدة تسخير كافة الإمكانيات الطبية والمستلزمات شبه الطبية للتكفل بكل الضحايا والمصابين منذ الدقائق الأولى للحادث المأساوي. وكشفت السيدة بوحالو عن إدماج أطباء وأخصائيين من القطاع الخاص الذين تطوّعوا لتقديم الدعم والإسناد الطبي للأطقم الاستعجالية، مما ساهم في استيعاب التدفق المتتالي للحالات الحرجة التي توافدت إلى المستشفى فور وقوع الحادث، مشيرة في سياق آخر إلى استمرار عملية جمع أكياس الدم بفضل هبّة المتبرعين، مما سمح بتسجيل فائض مريح على مستوى بنك الدم بالمؤسسة.
نظام محكم للتعرّف على الجثامين
وموازاة مع ذلك، شهد المستشفى توافدا مستمرا لأهالي الضحايا القادمين من ولاية سطيف، حيث جرت عملية استقبالهم ومرافقتهم لتسهيل إجراءات التعرف على الجثامين وفق نظام تنظيمي وأمني محكم، فرضته خلية الأزمة بإدارة السيدة الوالي بالتنسيق مع المصالح المختصة لضمان السير الحسن للعملية والحفاظ على حرمة الموقف. وتمّ توجيه العائلات عبر مسارات مخصّصة وبمرافقة مستمرة من الأطباء والأخصائيين النفسيين التابعين للخلايا الجوارية للتضامن الوطني، والذين سهروا على تقديم الدعم النفسي والمساندة المعنوية للأهالي في هذه اللحظات العصيبة..
شهادة من قلب الاستعجالات:
كسرنا خزائن الأدوية لإنقاذ الأرواح
في شهادة مؤثرة تلخص الساعات الأولى للفاجعة، تحدثت "المساء" إلى عبد النور بوجمعي، مدير المناوبة بمصلحة الاستعجالات الطبية الجراحية لبومرداس يوم وقوع الحادث، حيث استرجع اللحظات الأولى قائلا إنه في حدود الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة صباحا من يوم الجمعة 31 جويلية 2026، استقبلت المصلحة سبع سيارات إسعاف دفعة واحدة محمّلة بعشرات المصابين. وأوضح بوجمعي أن الأمر بدا في البداية كحادث مرور عابر، لكن سرعان ما تجلت أبعاد الكارثة مع التدفق المتتالي للجثامين والمصابين في حالات حرجة جدا.
وأضاف "نونو" والدموع تخنقه من شدة التأثر: "أمام هول الإصابات المتوافدة والوضع الاستثنائي، اضطررت شخصيا إلى كسر خزائن الأدوية لتسريع وتيرة التدخل الطبي الاستعجالي. ورغم عارضي الصحي الشخصي، إلا أنني نسيت المرض تماما أمام حجم الكارثة، وكان هدفنا الأسمى والوحيد هو إنقاذ الأرواح، لاسيما وأننا سجلنا حالات وفاة داخل المركز فور وصولها". وأشار بوجمعي إلى أن هول الصدمة استدعى تنقل وزير الصحة، البروفيسور أيت مسعودان، ليس فقط لمعاينة الوضع ميدانيا بل حتى لتقديم المساعدة بتدخله الطبي، مؤكدا أنه بعد مرور يوم كامل على الفاجعة لم يغمض له جفن ولم يذق طعم النوم بفعل التأثر البالغ بمشاهد الضحايا.
عائلات ضحايا الحادث المأساوي
مشاهد تُدمي القلوب.. دموع لا تجف وعائلات تحت الصدمة
عاشت "المساء" بالمركز الجامعي الاستشفائي لبومرداس خلال آخر 48 ساعة، اختبارا مهنيا وعاطفيا عسيرا أمام مشاهد الحزن المأساوية وبكاء العائلات الذي لم ينقطع قبالة مصابهم الجلل. هول الفاجعة كان كبيرا، فلقد وقفنا على حالة انهيار تام لأسرة فجعت بفقدان خمسة من أفرادها دفعة واحدة. لم نسأل.. فقط تابعنا الموقف بحزن شديد في مشهد يعجز اللسان عن وصفه ويصعب معه نقل الصورة دون تأثر.. ورغم صعوبة الموقف، اقتربنا من بعض "ناس العلمة" الذين هرعوا للمكان فور تلقي الخبر الصادم، حيث تحدث إلينا مواطن قدم من ولاية سطيف لمرافقة صديقه الذي كان ابنه على متن الحافلة المنكوبة، وبنبرة يملؤها التأثر حمد الله على نجاة الطفل وبقائه على قيد الحياة، واصفا في الوقت ذاته الوضع العام بالمأساوي وغير القابل للاستيعاب.
قصص مأساوية وجيران غيّبهم الموت معا
وفي رواق الاستقبال، روى لنا مواطن آخر من مدينة العلمة رحلته الشاقة بين الهياكل الاستشفائية لولاية بومرداس، لاسيما بعد تحويل جزء من الجرحى إلى مستشفى الثنية، ليصطدم بخبر وفاة جاره وزوجته وولديه. وأضاف المتحدث بتأثر شديد: "ما زلنا تحت الصدمة، هناك من جيراننا من فقد 6 أفراد من عائلته في رمشة عين.. إنها فاجعة بأتم معنى الكلمة".وفي شهادة أخرى تعكس مرارة الانتظار، تحدث مواطن قطع المسافة من سطيف فور سماع النبأ عبر منصات التواصل الاجتماعي لتقصي أخبار عائلتي "سعدي" و"مادي" اللتين كانتا في الرحلة المتوجهة لشاطئ "الصغيرات"، أكد بحرقة وفاة شقيقة جاره وزوجها وطفليهما، مشيرا إلى أنهم ينتظرون إنهاء إجراءات التعرف على جثة الأم لنقلها، في حين لا يزال البحث جاريا عن جثة ابنها الذي رجّح أمر وجوده في هيكل صحي آخر لحين تحديد هويته.
هبّة تضامنية تخفّف وطأة الألم
وسط هذا المشهد الحزين، أشاد بعض أهالي الضحايا في حديثهم لـ"المساء" بالهبّة التضامنية الواسعة التي ميزت ولاية بومرداس، حيث عبّروا عن عميق شكرهم وامتنانهم للقائمين على المستشفى، ومصالح الأمن، والسلطات الولائية الذين وقفوا جميعا "وقفة رجل واحد" لتقديم الدعم والتوجيه والإسناد النفسي والمعنوي للأسر المكلومة. فيما أبرز المختصّون النفسانيون المتدخلون، أن التكفل الطبي والنفسي بالمصابين متواصل دون انقطاع، مع توجيه نداء للأطقم الطبية والنفسانية بولاية سطيف بضرورة متابعة التدخل النفساني والمكثف لكل الحالات.
الهلال الأحمر في الصفوف الأولى وتأطير قرابة 1000 متبرع بالدم
أكدت رئيسة اللجنة الولائية للهلال الأحمر الجزائري، السيدة فريدة أوقاش، أن متطوّعي الهلال كانوا في الصفوف الأولى منذ اللحظات الأولى للفاجعة لتقديم المساعدة والدعم اللوجستي والنفسي بالشكل الذي يقتضيه هذا الظرف الاستثنائي. وأوضحت أوقاش أن جهود المتطوّعين تركزت بشكل كبير على تنظيم وتأطير التوافد الهائل للمواطنين الراغبين في التبرع بالدم، لاسيما على مستوى مركز حقن الدم بـ"قورصو" ومستشفى الثنية. وكشفت المتحدثة عن تسجيل قرابة 1000 متبرع في هبة تضامنية واسعة تهدف إلى توفير الكميات اللازمة لإنقاذ أرواح المصابين المتواجدين في حالة حرجة.
هبّة تضامنية شعبية تعكس تلاحم الجزائريين
سجل مواطنو ولاية بومرداس صورا تضامنية استثنائية، تجسّدت في توافدهم العفوي والمستمر على "مستشفى 240 سرير" لتقديم يد المساعدة والدعم للأهالي الوافدين من ولاية سطيف. وفي هذا السياق، صرحت إحدى المواطنات لـ"المساء" أنها لم تتمكن من دخول المرفق الصحي في اليوم الأول بسبب الاكتظاظ الشديد والإجراءات التنظيمية، مما دفعها للحضور في اليوم الثاني لعرض خدماتها ومواساة العائلات المكلومة والتخفيف من روعها. وفي مبادرة إنسانية وازنة، أكد مواطن يقطن بحي "الساحل" المحاذي للمستشفى، أنه تقدّم طواعية رفقة زوجته لوضع أنفسهم تحت تصرف إدارة المستشفى للمساهمة في غسل جثامين الضحايا من الرجال والنساء قبل ترحيلهم.
وعلى صعيد العمل الجمعوي، أكد رئيس المكتب الولائي لـ"جمعية البركة الخيرية" أن الجمعية تجندت فور وقوع الحادث لتوفير الوجبات الغذائية والمياه المعدنية بصفة مستمرة، شملت عائلات الضحايا المتواجدة بالمستشفى، إلى جانب الأطقم الطبية، وأعوان الحماية المدنية ومصالح الأمن. وأضاف المتحدث أن هذه الهبة التضامنية ليست غريبة على الشعب الجزائري، مشيرا إلى توافد عشرات المواطنين المحمّلين بالأطعمة والمستلزمات لتوزيعها في عين المكان، في مشهد إنساني مهيب يعكس أسمى قيم التآزر والتلاحم في الأوقات العصيبة.
الأسرة الإعلامية في قلب الفاجعة..
تحدي المعلومة ونداء الواجب
لم تكن التغطية الإعلامية للحادث المأساوي بالأمر الهيّن، فقد واجهت الأطقم الصحفية ومراسلو مختلف الوسائل الإعلامية في ولاية بومرداس، ظروفا ميدانية معقدة للوصول إلى المعلومة الموثوقة وسط أجواء غير عادية طبعها التدفق المستمر للمصابين وجثامين الضحايا منذ الدقائق الأولى للكارثة.
وأمام السرية التي فرضتها حساسية الموقف والاجتماعات المغلقة لخلية الأزمة، لزم الصحفيون مواقعهم برواق المستشفى في حالة ترقب وتأهب مستمر، متنقلين بين مختلف المصالح للظفر بتصريحات رسمية تضع الرأي العام في صورة المستجدات. هذا الظرف الطارئ فرض على عديد الزملاء الصحفيين قطع عطلهم والالتحاق الفوري بمسارح الأحداث والمؤسسات الاستشفائية، استجابة لنداء الواجب المهني وضمانا لنقل الصورة الحقيقية بكل دقة للمواطنين.
وفي شهادة حية تعكس حجم المعاناة النفسية لمهندسي الكلمة والصوت في الميدان، أكد الإعلامي عبد القادر ترايكي، الصحفي بإذاعة بومرداس لـ"المساء"، صعوبة التوفيق بين هول الفاجعة الإنسانية والمتطلبات الصارمة للتغطية المهنية. ووصف ترايكي الأجواء قائلا: "إن المشاهد داخل المستشفى مبكية وتفوق القدرة على التحمل، غير أن المسؤولية المهنية الملقاة على عاتقنا تفرض علينا الالتزام برباطة الجأش وبرودة الأعصاب لنقل المعلومة الصحيحة للمواطن والمساهمة في توجيه العائلات". ورغم شحّ المصادر الرسمية في الساعات الأولى بسبب حجم الكارثة، تجنّد المراسلون الصحفيون وشكّلوا جبهة إعلامية متكاملة لتقصّي الحقائق وتغطية هذا الحدث المأساوي بكل مسؤولية واحترافية.