التحوّلات الإقليمية تؤكد صحة مقاربتها في معالجة القضايا العربية والإفريقية
قراءات الجزائر الجيواستراتيجية تعرّي أطماع الكيانات الدخيلة
- 307
مليكة. خ
تعد تصريحات المبعوث الخاص لرئيس جمهورية الصومال الفيدرالية فارح شيخ عبد القادر محمد خلال استقباله من قبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بخصوص مواقف الجزائر إزاء القضايا الدولية، إقرارا بثبات وصواب توجه السياسة الخارجية للجزائر المستلهمة من مبادئ بيان أول نوفمبر الداعمة لحركات التحرر والقضايا العادلة منذ الاستقلال، ما جعلها حقا قبلة للثوار وأحرار العالم.
لم يكن تقدير الصومال لموقف الجزائر الثابت والداعم لوحدة وسيادة مقديشو، سوى ترجمة للمبادئ التي تتشبث بها الجزائر على المستوى القاري والدولي، بل حتى تأييدا كاملا لقراءات الجزائر الجيو استراتيجية في المنطقتين العربية والإفريقية، وما رافقها من تحذيرات حول التدخلات الأجنبية في شؤون عديد الدول العربية والإفريقية.
فمبدأ الجزائر الأساسي المستمد من ميثاق الأمم المتحدة يرتكز على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادة الدول وحل النزاعات سلميا، مع التدخل كوسيط في حال طلب منها ذلك من أجل القيام بدور الوساطة لحل الصراعات الإقليمية مع الحفاظ على الحياد، مما أكسبها دورا رئيسيا في تسوية نزاعات إقليمية ودولية، مستندة في ذلك إلى مبادئ القانون الدولي وتجربتها التاريخية. وإذا كانت الجزائر قد ساندت الحركات التحررية منذ ستينيات القرن الماضي، انطلاقا من قناعتها بأن ثمن الحرية ينتزع ولا يعطى، فإنها مازالت تتمسك بالنهج ذاته رغم المعطيات الإقليمية والدولية المعقدة إذ على الرغم من ذلك لم تحد عن مبادئها الثابتة بل واجهت موجات التغيير التي أرادت هدم ركائز النظام الدولي، بكل صلابة ويكفي أن نستدل في هذا الصدد بالنشاط النوعي للدبلوماسية الجزائرية خلال عهدتها في مجلس الأمن، حيث رافعت بكل قوة واقتدار من أجل إحلال السلم والأمن في العالم.
فقد عكفت الدبلوماسية الجزائرية على دعم القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث برزت كأحد أكثر الأصوات ثباتا ووضوحا في الدفاع عن القضية داخل المحافل الإقليمية والدولية، مؤكدة على مبدئها الثابت بأن فلسطين ليست قضية تضامن ظرفي، بل قضية تصفية استعمار تتطلب موقفا دوليا حازما يمكن شعبها من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، كما عملت في إطار نصرتها لقضايا الشعوب التي لا زالت تقبع تحت نير الاحتلال ومنها قضية الصحراء الغربية، دعمها لكافة الجهود المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة والهادفة لإيجاد حل سياسي عادل ودائم ونهائي لهذا الصراع الذي طال أمده.
يأتي ذلك موازاة مع مرافعاتها عن قضايا الأمن والسلم التي تخص القارة الإفريقية وعن الآليات المناسبة والفعالة للحد من التهديدات التي تواجه شعوبها من خلال الدعوة إلى الالتزام بمبدأ الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية.
وبما أن التدخلات العسكرية قد أبانت في عديد المناسبات صحة مقاربة الجزائر التي تتمسك بالحلول السلمية في تسوية بؤر التوتر، خاصة مع استمرار الفوضى في عديد المناطق التي كانت ضحية هذه التدخلات، فإن ذلك أثار الكثير من المخاوف في ظل محاولات كيانات دخيلة اللعب على ورقة الإقليات لتعزيز المفهوم الانفصالي الحديث في عديد الدول على غرار أرض الصومال.
فقد نجحت الجزائر في إعادة القانون الدولي إلى الواجهة في عديد القضايا تفاديا للفوضى التي تريد زرعها بعض القوى في بعض الدول من أجل مصالح استراتيجية، لن تزيد سوى في تعقيد الأوضاع وإدامة العنف والفوضى، ما يتنافى مع مواثيق الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والهيئة الأممية.
ويمكن أن نتفهم في هذا الصدد مخاوف المملكة العربية السعودية والصومال والسودان وليبيا ودول الساحل من نشاطات غير بريئة لإحدى الدول الخليجية، التي لم تتوان في خدمة أجندات دخيلة، ما يعكس بحق الرؤية الاستشرافية للجزائر في ترسيخ قيم السلم والتضامن وعدم التدخل في شؤون الغير.
وبلا شك، فإن الأزمات التي تعرفها دول عربية وإفريقية مرده بالدرجة الأولى ضعف التنسيق المشترك داخل الأطر الإقليمية والدولية، الذي لطالما ركزت عليه الجزائر في مداخلاتها عبر المنابر الدولية، من أجل إرساء ركائز حمائية تجنب الدول من التهديدات المحدقة بها.