فيما "تنقلب" أحزاب عن مطالبها السابقة:
فرز الساحة الحزبية والإعلامية ترجمة لورشات الرئيس
- 616
مليكة.خ
"هدف قانون الانتخابات هو معالجة النقائص المسجلة في مختلف الاستحقاقات الماضية". هذا تصريح لوزير الداخلية والجماعات المحلية السيد نور الدين بدوي أمام نواب المجلس الشعبي الأسبوع الماضي، حيث كشف عن فتح ورشات لمشاريع قوانين يُنتظر عرضها على الحكومة قريبا، ثم على البرلمان، على غرار مشروع القانون المتعلق بالتجمعات والتظاهرات العمومية وكذا مشروع قانون البلدية والولاية وقانون آخر يتعلق بقيم الديمقراطية التشاركية. يأتي ذلك في سياق الإصلاحات التي أطلقها رئيس الجمهورية من أجل إرساء أسس التعددية وفق رؤية ناضجة، يشكل فيها قطاع الإعلام الذي يشهد أولى مساعي التنظيم والتطهير من خلال تنصيب سلطة ضبط السمعي ـ البصري وما أعقبه من توجيه إعذارات للقنوات الخاصة حتى تمتثل للقانون، يشكل ركيزة التحولات التي تشهدها الساحة السياسية في البلاد.
تصريح وزير الداخلية الذي كان ردا على المعارضة التي انتقدت قانون الانتخابات، يُعد بمثابة تذكير لما كانت تطالب به من قبل وتشتكي منه في وقت سابق، من "تمييع حزبي"، متهمة السلطة بإغراق الساحة السياسية والحزبية بأحزاب لا وجود لها في الميدان أصلا، ولا تظهر سوى في المناسبات والاستحقاقات الانتخابية من باب "تسخين البندير"، كما تعلق الأحزاب الفاعلة على ذلك. فظهورها وتحركها يتم بهدف التشويش على مواقف الأحزاب المؤثرة والموجودة فعلا في الساحة، كانت توصف من طرف الصحافة بـ«أحزاب الفاكس"، "إغراقٌ" في البداية له تفسيراته المنبثقة عن تعطش كبير للتعددية بعد سنوات أحادية الحزب والغلق السياسي، ثم إن الأمر مرتبط كذلك بالممارسة السياسية بالنظر إلى حداثة التجربة التعددية في البلاد، والتي فسح فيها المجال للجميع؛ سواء من أجل التنفيس السياسي أو إبراز قدرات النضال الحزبي، لكن سرعان ما طفت على السطح النقائص بعد أن أصبح تشكيل الأحزاب السياسية شبيها باستخراج شهادات الميلاد، إذ كان يكفي الحصول مثلا، على نصاب لا يتجاوز 15 فردا لتشكيل حزب سياسي.
هذه الفرصة الممنوحة لحق تشكيل الأحزاب أدت بعد ذلك إلى الانزلاقات التي كشفت عن تدهور مستوى الممارسة السياسية لتشكيلات تكتفي بالتعامل مع وسائل الإعلام عن بُعد؛ أي "الفاكس"، فضلا عن ظهورها في الاستحقاقات فقط، بل أكثر من ذلك، انحدار مستوى الخطابات السياسية وفقدان البرامج البديلة، وتصرّف البعض من أبواب "الزردة" أو التمظهر والشعبوية، بل أخطر من ذلك، تدحرج بعض رؤساء الأحزاب إلى الحضيض بضلوعهم في أعمال شغب، في وقت يُفترض أن يعطوا صورة للتحضر والسلوك السلمي في المجتمع، وكذا تورط بعضهم الآخر في "البزنسة" التجارية وحتى التورط في أعمال توبعوا بموجبها قضائيا، كالتلاعب بأموال المساعدات والتبرعات وتحويل وجهتها.
هذا الواقع جعل رئيس الجمهورية خلال تولّيه الحكم عام 1999، يدعو في أحد خطاباته إلى ضرورة فرز الساحة السياسية والحزبية من الكم الهائل من الأحزاب التي وصف أغلبها بالنوادي؛ بالنظر إلى عدم تأثيرها على الساحة السياسية، خلافا لدول عظمى لا يتعدى بها عدد الأحزاب اثنان أو أربعة أقطاب في بعضها الآخر، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وأستراليا والنمسا... وحرص الرئيس بوتفليقة على مسألة "إنضاج" الساحة السياسية وتطهيرها، لتقتصر على التيار الديمقراطي والوطني والإسلامي، من منطلق أن الأنظمة المستقرة هي التي يتداول فيها حزبان أو ثلاثة على الحكم. لأن تعددية "الفوضى" شتت الجهد الوطني، لتجميع الرؤى والحلول والكفاءات. كما تظهر ضرورة فرز الساحة الحزبية لحماية الممارسة السياسية ووضع حد لظاهرة انتشرت مؤخرا داخل التشكيلات الوطنية، وهي ظاهرة التجوال الحزبي (الذي كان يطالب الأحزاب بوضع حد لهذه الممارسات وسن قانون يمنع ذلك، وهو ما جاء به الدستور الجديد)، أو من خلال بروز الحركات التصحيحية والانقسامات والتصدعات على مستوى الأحزاب؛ مما تسبب في انسداد المجالس البلدية على الخصوص، ومن ثمة تعطيل مصالح المواطن وبرامج التنمية بشكل عام.
الأمر ينطبق أيضا على الجمعيات التي فاق عددها 70 ألف جمعية، مثلما صرح بذلك وزير الداخلية الأسبق، نور الدين يزيد زرهوني قبل سنوات. وتبين عدم فعالية أغلبها في المجتمع إلى درجة أنها غير معروفة لدى العامة، هذه مبررات كافية لإعادة تنظيم عمل الجمعيات والحراك الجمعوي من أساسيات العمل الحكومي الحالي.
قطاع الإعلام الذي يعكس الحياة السياسية في البلاد، لم يسلم بدوره من انتقادات المعارضة عقب صدور قرار تطهيره من حالة اللاقانون التي تعتري نشاط السمعي البصري بالخصوص، والتهديد بإغلاق القنوات التي تنشط بدون رخصة. جاء الإفراج عن دفتر الشروط لإنشاء الفضائيات والإذاعات لوضع حد للتمييع الذي تشهده الساحة الإعلامية...
وقد كان ذلك أحد مطالب التشكيلات السياسية التي طالما انتفضت "لانزلاقات" بعض القنوات خلال الاستحقاقات الماضية.
فوضى الفضائيات.. دقت ساعة الحسم
بعيدا عن "انقلاب" المواقف المتناقضة لهذه الأحزاب في تصريحاتها ومواقفها الجديدة، نتساءل عما إذا كنا سنشهد حقا في المستقبل القريب مرحلة فرز حقيقي ونوعي لفوضى الفضائيات بعد توجيه وزارة الاتصال منذ أيام، آخر إعذاراتها لهذه القنوات، قبل أن يمتد ذلك، فيما يبدو لاحقا إلى الصحافة المكتوبة، مع إقرارنا بثقل قطاع السمعي البصري، مما جعل الحكومة تتأخر في فتحه بسبب إرهاصات العشرية السوداء.
تظهر صعوبة الضبط التلقائي لهذه القنوات في ظل الظروف التي برزت فيها منذ عام 2012 وما انجر عما اصطُلح على تسميته بالأموال مجهولة المصدر، إذ تحوم شكوك حول هوية ومصدر رؤوس الأموال المستخدمة في تمويل العديد من القنوات العاملة بالجزائر؛ كونها خاضعة للقانون الأجنبي، بل راج الحديث أيضا عن قيام بعض هذه القنوات بتحويل أموال عائدات بدون إثباتات واضحة ومعلومة إلى الخارج، كتوزيع الجرائد اليومية في فرنسا في التسعينات، في الوقت الذي يمنع القانون الجزائري تمويل شركات أجنبية.
الصحافة المكتوبة: البقاء للأكثر احترافية
الصحافة المكتوبة بدورها قد تشهد عما قريب مصير القنوات التلفزيونية، مثلما لمح إلى ذلك وزير الاتصال، الذي ركز مرارا على الاحترافية وضرورة تعيين مديرين أكفاء على رأس الصحف أكثر احترافية؛ يطوّرون بدائل مالية خارج وكالة الإشهار (أناب) بعد أن تبين أن نصفهم لا علاقة لهم بالإعلام. لكن السؤال المطروح: على أي أساس ستُعتمد معايير الاحترافية في مثل هذه التعيينات؟ وهل الحصول على بطاقة الصحفي المحترف كاف لترجمة التوجهات المنشودة؟