الكفاءات الوطنية تكرّس الوطنية المتجذرة في الأعماق
رسائل استراتيجية تحصّن الأمن القومي والاقتصادي
- 178
مليكة. خ
لم يكن إنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج ووضعه مباشرة تحت وصاية رئاسة الجمهورية، مجرد اعتراف رسمي بالمكانة السامية للكفاءات الجزائرية في الخارج والرغبة في دمجها في الديناميكية التنموية للبلاد، سواء عبر المشاركة عن بعد أو العودة للوطن، بل كانت بمثابة بارومتر حقيقي عكس بحق اعتزاز هذه الكفاءات بجزائريتها وانتمائها لوطنها، في رابطة قوية قلما نجدها في عديد الدول.
فالتئام خيرة ما أنجبته الجزائر في هيئة علمية سامية دون شروط مادية مسبقة، يؤكد استعداد هذه الكفاءات للمساهمة في مسار التنمية المستدامة ونقل التكنولوجيا الحديثة لدعم الجامعات والشركات الناشئة في البلاد، فضلا عن جعلها شريكا فاعلا في صياغة السياسات العلمية ونقل المعرفة. كما أن تجاوب النخبة مع نداء الوطن رغم شغلها مناصب هامة في الدول المتقدمة يفند كل الأطروحات التي تحاول التشكيك في علاقة المواطن الجزائري ببلاده، حيث رأينا كيف أن كفاءات وطنية زاولت دراساتها في الجزائر وغادرتها من أجل تطوير نفسها وتلقي المزيد من العلوم المواكبة للعصر، مازالت تتشبث بجزائريتها في انطباع يذكرنا بأحرار الأمس الذين ناضلوا ضد المستعمر حتى خارج حدود الوطن.
وباندماج هذه الكفاءات في هذا المجلس فإنها تبرهن وعيها للرؤية الاستشرافية التي تتبناها الدولة الساعية لتعزيز أمنها القومي والاقتصادي، من خلال تركيزها على قطاعات حيوية كالذكاء الاصطناعي والتقنيات التكنولوجية، في ظل الإرادة السياسية التي تجعل من العلم والمعرفة والابتكار ركيزة أساسية في مسار الجزائر الجديدة، ما يشكل رسائل استراتيجية عميقة لها علاقة وطيدة بالسيادة الوطنية.
وبلا شك، فإن سعي رئيس الجمهورية لإرساء ركائز المعرفة عبر إنشاء مدارس امتياز متخصصة في الرياضيات والتكنولوجية والذكاء الاصطناعي، يعد بمثابة أرضية لصياغة التوجه الجديد للدولة في مواكبة التحديات الراهنة، خاصة من خلال استغلال البحث العلمي في الحركية الاقتصادية للبلاد. وانطلاقا من هذه المعطيات التي عكست الإرادة القوية للدولة للمضي قدما بهذا التوجه الحتمي في عالم تسيطر عليه الخوارزميات والتقنيات التكنولوجية، لم يكن أمام الكفاءات الوطنية سوى مسايرة هذا النهج بقوة طالما أن الأمر يتعلق بخدمة مصلحة الجزائر والارتقاء بمكانتها في مصاف الدول الراقية التي تقدر العلم والعلماء.
كما أن تصريحات الرئيس تبون حول الكفاءات الوطنية تعد بمثابة منح صك على بياض لها من أجل بلورة الأفكار وتشجيها على المساهمة في الحركة التنموية للبلاد التي تمتلك مقومات تجعلها تعتلي منصة الدول الناشئة في ظل الإصلاحات المنتهجة واعتماد آليات للنهوض بالبحث العلمي عبر الارتقاء بالرقمنة ومراكز البيانات العملاقة، بقناعة أن الثروة الحقيقية تكمن في استغلال الأدمغة التي تزخر بها الجامعة الجزائرية والتي أثبتت عبقريتها في على مستوى مراكز البحث العالمية.
فحماس الكفاءات الوطنية بالخارج للالتحاق بالهيئة المستحدثة، لا يعكس سوى نبل الفرد الجزائري الذي تتجذر روح وطنيته في الأعماق والتي لم يكبحها لا رغد العيش ولا المكانة الرفيعة التي يحظى بها في مجتمعات أجنبية، باتت تنبهر بكمية الحب التي يكنها لبلاده، ولا أدل على ذلك التظاهرة الرياضية العالمية "كأس العالم" الجارية في القارة الأمريكية، حيث كان الجمهور الجزائري أفضل سفير بلاده.