العلاقات الجزائرية - الفرنسية

حرب الذاكرة ،، خطوة إلى الأمام و 10 إلى الخلف

حرب الذاكرة ،، خطوة إلى الأمام و 10 إلى الخلف
  • 565
مليكة/خ مليكة/خ

 تمر اليوم أزيد من 54 سنة على استقلال الجزائر عن فرنسا، غير أن تداعيات الاحتلال الاستيطاني الذي دام 132 سنة ما زال يرخي بظلاله على العلاقة بين البلدين التي اتسمت بالمشاحنة بسبب "حرب الذاكرة" التي لم تضع بعد أوزارها، بل أضحت بمثابة ورقة تستغلها دوائر القرار الفرنسية لخدمة ملفات سياسية واقتصادية، لإدراكها بمدى الحساسية التي يشكلها هذا الموضوع في نفوس فئات عريضة من المجتمع الجزائري.

إقدام الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اليوم على تكريم الحركى تزامنا مع الاحتفال بعيد الاستقلال ماهو إلا فيض من غيض الممارسات الفرنسية التي تتمسك باللعب على ورقة التاريخ مع الجزائر، مما يجعل الحديث عن الارتقاء بالتعاون الثنائي الفعلي، مؤجلا إلى تاريخ غير معلوم أو إلى غاية تقديم "تنازلات بالتراضي" إن صح التعبير .

 يكفي التمعن في تصريحات وزير المجاهدين الطيب زيتوني المتعلقة بالذاكرة لنستشف بأن فرنسا الرسمية ما زالت تخيب ظن الفئة الثورية التي تتمسك بثوابتها على غرار الأرشيف

وتقديم الاعتذار واستعادة رفات الشهداء، وفي المقابل تثير فئة الأقدام السوداء مسألة ممتلكاتها في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية لدرجة أنها أصبحت تطالب بالتعويض وهو ما رفضته السلطات الجزائرية التي ترى أن القانون لا يعطيها الحق في ذلك، بل وبحرمها لأنها اغتصبت بلدا بكامله وجرت شعبه من ممتلكاته.

يأتي ذلك رغم أن الجانبين الجزائري والفرنسي اتفقا خلال زيارة الطيب زيتوني إلى فرنسا والتي تعد الأولى من نوعها لوزير مجاهدين جزائري منذ الاستقلال، على تشكيل لجنة مختلطة تسهر على معالجة قضايا ذاكرة الحرب التحريرية العالقة، غير أن إمكانية نجاح مثل هذه اللجان في تحقيق الأهداف المرجوة منها تبقى بعيدة، نظرا لوجود لوبي فرنسي، مشكل من قدماء المستوطنين الفرنسيين في الجزائر الذين  يطالبون بتسوية ملف "الحركي"، إذ تطالب فرنسا بالسماح لهم بإعادة الاندماج داخل المجتمع الجزائري الذي خانوه.

إشكالية العلاقة الجزائرية - الفرنسية، تطغى عليها الكثير من العاطفة مقابل القليل من الحكمة والعقلانية، وبخاصة من الجانب الفرنسي الذي لم يتمكن حتى الآن من القيام بمكاشفة ومصارحة ذاتية مع تاريخه الاستعماري، نتيجة لسلوكياته الاستعلائية تجاه  الجزائر بالخصوص وإلا كيف يمكن تفسير تقديمه الاعتذار لمستعمرات إفريقية وحتى  تعويضها دون الجزائر.

 كلما لاحت بوادر التقارب بين البلدين إلا واصطدمت بمسألة التاريخ ونتذكر كيف كاد البلدان أن يبرما معاهدة الصداقة لولا إصدار الأغلبية المحافظة في البرلمان الفرنسي الممثلة لحزب "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" قانون يمجد الاستعمار سنة 2005  الذي نص على قيم إيجابية حملها الاستعمار الفرنسي وخاصة إلى المستعمرات الفرنسية في شمال إفريقيا. وكرد فعل على ذلك رفض رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في إحدى المحافل الدولية التوقيع على "معاهدة الصداقة" مع فرنسا بسبب هذا القانون. 

الانسداد تواصل بالخصوص مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إذ لم يجد خلال زيارته للجزائر سنة 2007 أي حرج  للقول بأنه لا يمكن مطالبة الأبناء بالاعتذار عن أخطاء ارتكبها الآباء، في حين ذهب وزير الخارجية الفرنسية السابق برنار كوشنير لأبعد من ذلك بالقول إن العلاقات الجزائرية -الفرنسية لن تأخذ مسارها الطبيعي إلا بعد وفاة جيل القادة الذين حاربوا الاستعمار الفرنسي وهو يحول دون مجرد التفكير في إمكانية تغيير فرنسا لموقفها. 

أما الحكومة الاشتراكية فقد حاولت أن تخطو خطوة "إيجابية" تجاه الجزائر، عندما اعترف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في ديسمبر سنة 2012 خلال زيارته إلى الجزائر، بما أسماه المعاناة التي تسبب فيها الاستعمار الفرنسي للشعب الجزائري، ومن بينها مجازر ٨ ماي ١٩٤٥ مدن سطيف وقالمة وخراطة، ولم يستطع أن يذهب إلى حد الاعتذار، خوفا من ردود الفعل المعارضة.

الذاكرة الجزائرية –الفرنسية المشتركة إذن مازالت تحاصر مخيلة الشعبين مما يجعل من الصعب إقامة علاقة طبيعية على نمط العلاقات التونسية –الفرنسية أو العلاقات المغربية الفرنسية، لأن الوجود الفرنسي في الجزائر لم يكن مجرد احتلال عابر بل امتدت جذوره  إلى عمق كيان المجتمع الجزائري ويكفي أن الجالية الجزائرية تعد أكبر الجاليات في فرنسا والتي تشكل أنجع ورقة انتخابية للمترشحين الفرنسيين في الاستحقاقات الانتخابية.