أكد أن الذكاء الاصطناعي في صلب تحوّلات سوق الشغل.. مدير مكتب العمل الدولي لـ"المساء":
تقدّم لافت للجزائر في مواءمة تشريعات العمل مع المعايير الدولية
- 228
أسماء منور
❊ دعم قوي للمقاولاتية الذاتية وفتح آفاق جديدة أمام الشباب
❊ الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر في صلب تحوّلات سوق الشغل
❊ استباق احتياجات السوق لتأهيل الشباب للاندماج السريع
❊ تعزيز الحوار الاجتماعي كآلية لتحقيق التوازن في سوق العمل
أكد مدير مكتب منظمة العمل الدولية لبلدان شمال إفريقيا، حليم حمزاوي، أن التعاون مع الجزائر يشهد ديناميكية متواصلة، تقوم على دعم السياسات الوطنية في مجالات التشغيل والحماية الاجتماعية والسلامة والصحة المهنية، إلى جانب مرافقة جهود تطوير المهارات ومواكبة التحوّل الرقمي.
أوضح حمزاوي في حوار مع "المساء"، أن هذا التعاون يرتكز على مقاربة تشاركية تجمع مختلف الفاعلين، من سلطات عمومية وشركاء اجتماعيين، بهدف تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضمان الحقوق الاجتماعية، مشيرا إلى أن المرحلة الحالية تفرض رهانات جديدة، على رأسها تكييف التكوين مع احتياجات سوق العمل، وتعزيز إدماج الشباب والنساء، فضلا عن مواكبة بروز أنماط جديدة من التشغيل في ظل الاقتصاد الرقمي.
❊ كيف تدعم منظمة العمل الدولية تطبيق معايير العمل الدولية في الجزائر؟
❊ منظمة العمل الدولية، كان لها، منذ تأسيسها، دورا أساسيا في وضع معايير العمل الدولية، من خلال عدة أدوات قانونية، وهي اتفاقيات العمل الدولية، توصيات العمل الدولية، والبروتوكولات المكملة لبعض الاتفاقيات. وبالنسبة للجزائر، فهي عضو في المنظمة منذ استقلالها، والتعاون معها وثيق جدا، سواء في مجال المصادقة على عدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية للعمل، أو في إدماجها في المنظومة التشريعية وتجسيدها على أرض الواقع.
❊ ما هي أبرز مجالات التعاون القائمة بين الجزائر والمنظمة، لاسيما في مجال الحماية الاجتماعية والسلامة والصحة المهنية والتشغيل؟
❊ نحن كمنظمة نحدّد الأولويات في المجالات الحيوية بالتشاور مع ممثلي الحكومة، لاسيما الوزارات والمؤسسات، أو مع الأطراف الاجتماعية. وفي الجزائر، يتمحور هذا التعاون حول عدد من المجالات الأساسية، في مقدمتها الحماية الاجتماعية، من خلال العمل على توسيع نطاقها وتشجيع انخراط القطاعات الهشة، على غرار القطاع الفلاحي، مع مختلف الأطراف، قصد إيجاد الآليات الكفيلة بدفع الفلاحين، خاصة الصغار منهم، إلى الاندماج في منظومات الحماية الاجتماعية.
كما يشمل التعاون مجال الإحصائيات المرتبطة بالحماية الاجتماعية، ويمتد كذلك إلى مجال السلامة والصحة المهنية، حيث تم تحيين الأطر المنظمة لها، بما يسمح بتقييم مدى توافق المنظومة التشريعية والمؤسساتية والعملية مع معايير العمل الدولية، وكذا مدى استجابتها للأولويات الآنية والمستقبلية، بالشراكة مع مختلف الاطراف الاجتماعية. وفيما يتعلق بالتشغيل، الذي يعد من أبرز التحديات، خاصة تشغيل الشباب غير المتمدرسين أو غير المنخرطين في التكوين، فقد تم تسجيل تعاون مستمر منذ سنوات، أعطى نتائج إيجابية جدا، لا سيما في مجال دعم المقاولاتية، من خلال وضع آليات لمرافقة الشباب الراغبين في إنشاء مشاريعهم، بدءا من مرحلة اختيار الأفكار إلى غاية تجسيدها.
أما في مجال التكوين المهني، فيرتكز التعاون على استباق احتياجات السوق في عدد من القطاعات، بهدف مواءمة برامج التكوين مع متطلبات سوق العمل الحالية والمستقبلية، وقد شملت التجارب الأولية قطاعات الصناعات الكهرومنزلية، زيت الزيتون، والتمور، مع العمل على تطوير منهجيات جديدة لتقييم احتياجات التكوين وضبط المناهج، بما يستجيب لواقع هذه القطاعات وتطلعاتها على المديين القريب والمتوسط، ويضمن جاهزية الشباب للاندماج في عالم الشغل فور تخرجهم.
كما نعمل على دعم تطوير المؤسسات، لاسيما الصغيرة والمتوسطة، بالنظر إلى التحديات التي تواجهها، خاصة ما يتعلق بالاستمرارية على المدى الطويل، ويتم تقديم الدعم واجراء الدراسات القطاعية اللازمة، على غرار شعبة التمور، لتحديد الإمكانيات والحوافز الكفيلة برفع قدراتها التصديرية. وباعتبار الجزائر من بين كبار منتجي التمور، فإن الولوج إلى الأسواق الدولية يتطلب تحسين قدرات المؤسسات، لاسيما في مجال الجودة والحصول على شهادات المطابقة، إضافة إلى فهم خصائص الأسواق الواعدة، بما يسمح بمواءمة المنتوج مع متطلباتها وتحقيق قيمة مضافة أعلى في التصدير.
❊ كيف تساهم برامج المنظمة الدولية في تعزيز قدرات المؤسسات وجعلها تواكب التحوّلات، على غرار تطوير المهارات والرقمنة؟
❊ بالنسبة للمساهمة في تطوير المهارات، أظن أن التحدي الأساسي اليوم لسوق العمل هو كيف يكون هناك تطابق بين ما تنتجه منظومتا التعليم العالي والتكوين المهني والمتطلبات الحقيقية لسوق العمل.
فعلى المستوى الدولي، لا تزال إشكالية البطالة لدى فئة الشباب قائمة في العديد من دول العالم، وعلى الرغم من توفر مئات الآلاف من فرص الشغل، إلا أن الشباب لا يمكنهم التقدّم لها، لأن تكوينهم ليس مطابقا لمتطلبات سوق الشغل أو لمتطلبات المؤسسات التي تطلب يدا عاملة مؤهّلة.. وهنا أود أن أؤكد أن هناك منهجيات لتحديد الأولويات في مجال التدريب والتكوين المهنيين، حتى تكون مطابقة لاحتياجات سوق الشغل، لاسيما وأن اليوم، يوجد كمّ كبير في التكوين الأكاديمي على حساب تكوين المهارات، التي أصبحت مطلوبة بكثرة في سوق العمل، وهو ما نعمل عليه حاليا مع عدة قطاعات وزارية، على غرار وزارة التعليم العالي، ووزارة التكوين والتعليم المهنيين، ووزارة العمل، ووزارة اقتصاد المعرفة، بالاضافة إلى الأطراف الاقتصادية والشركاء الاجتماعيين.
أما بالنسبة للرقمنة، فالجزائر توليها أهمية قصوى لتحقيق رقمنة فاعلة وشاملة، ونحن نتعاون مع الوزارات المعنية في مجال رقمنة الخدمات الإدارية، وتطوير بعض المنصّات الرقمية، حتى يتمكن الشباب، على وجه الخصوص في المناطق النائية، من الاطلاع على الخدمات وطلبها دون عناء التنقل. وفيما يخص المهن الجديدة التي استحدثها الذكاء الاصطناعي والتحوّل التكنولوجي، لاحظنا أنها شهدت انتشارا واسعا، خصوصا بعد أزمة كوفيد-19، التي أدت إلى توسع كبير في هذه المنصّات بمختلف أنواعها والخدمات التي تقدمها. ونتج عنها خلق نوع جديد من العمل وأنماط جديدة من التشغيل، تختلف عن النماذج الكلاسيكية.
وخلال اجتماع المنظمة القادم، يمكن التوصل إلى اتفاقية دولية في مجال تقنين العمل الرقمي، ووضع الأسس للعمل عن بُعد والعمل عبر المنصات، حتى تتضمن مبادئ العمل اللائق، وبعد اتفاق الدول الأعضاء، يتم عرضها - حسب التشريعات المعمول بها في كل دولة- على السلطات المختصة للموافقة عليها، مع تقديم الدعم الفني حتى يمكن دمج مبادئ هذه الاتفاقية في القوانين الوطنية.
❊ هل ترون أن السياسات العمومية في الجزائر ساهمت في تقليص الفوارق في سوق العمل بين مختلف الفئات؟
❊ أود أن أوضح نقطة أساسية، وهي أن منظمة العمل الدولية ليست جهة تصنيف، ولا تقوم بتقييم أداء الحكومات في أي مجال، إلا بطلب منها أو من الشركاء الاجتماعيين.
بالنسبة للجزائر، هناك ديناميكية وتوجّه نحو التنوّع الاقتصادي، الذي يعني ضرورة دعم المبادرة الفردية. وهذا التنوّع، من منظور منظمة العمل الدولية، يقوم على خلق مؤسسات تستجيب لمبادئ العمل اللائق، وتتميز بالاستدامة الاقتصادية والبيئية، خاصة وأن الهدف ليس فقط إنشاء مؤسسات توفر أجورا معيشية، بل تتطوّر لخلق الثروة وتحسين ظروف العمل والظروف المعيشية لكل المتدخلين. ومنظمتنا تدعم منذ سنوات، إنشاء المؤسسات والمبادرة المقاولاتية، التي تتيح كذلك وضع إطار للشباب لإنشاء مؤسساتهم، يبدأ من التثقيف، ثم المساعدة على بلورة وإعداد وتطوير فكرة المشروع، ثم تجسيده على أرض الواقع. أما النقطة الثانية التي نعمل عليها، فهي تحقيق التمكين الاقتصادي للنساء، خاصة النساء في المناطق الريفية، من خلال اعتماد عدد من الآليات لتدريبهن على تسيير المشاريع الصغيرة جدا، والتجهز لدخول سوق العمل واقتحام عدد من الأسواق، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني، وحتى الإقليمي والدولي.
❊ ما هي أولويات وآفاق التعاون بين الجزائر ومنظمة العمل الدولية في المرحلة المقبلة؟
❊ رغم كل التحديات، نحن كمنظمة دولية نبقى متفائلين بخصوص مستقبل عالم الشغل، لأن التحوّلات التكنولوجية، رغم أنها تبدو في ظاهرها تحديا لعالم الشغل - حيث تشير بعض الدراسات إلى أنها قد تؤدي إلى اندثار عدد من المهن - فإن دراسة منظمة العمل الدولية حول تأثير الذكاء الاصطناعي على عالم العمل كشفت عن حصيلة إيجابية. ونرى أن هذه التحوّلات من شأنها أن تعطي قدرات أكبر على خلق مناصب الشغل وتطويرها وتحسينها.
لذلك، فما هو مطلوب حاليا هو تكييف التكوين مع حاجيات سوق العمل، وإدخال الذكاء الاصطناعي ومتطلبات الاقتصاد الأخضر ضمن أساسيات التكوين، سواء في التكوين المهني أو التكوين الجامعي، لضمان فرص عمل مستقبلية. ويبقى العمل اللائق هدفا استراتيجيا في التعاون بين الجزائر والمنظمة، حيث يمكن المتخرجين الجدد، من خيارات كثيرة قبل أن يتوجّهوا للبحث عن عمل لدى مؤسسة عمومية أو في القطاع الخاص.