أكد أن لا حرج في اعتذار باريس عن جرائمها.. بنجامان ستورا لـ "المساء":

تجريم الاستعمار الفرنسي قرار سيادي لحماية ذاكرة الجزائر

تجريم الاستعمار الفرنسي قرار سيادي لحماية ذاكرة الجزائر
  • 560
مليكة خلاف  مليكة خلاف 

❊على فرنسا التعامل مع الدولة الأكبر في إفريقيا وفق الندّية والعلاقات المتوازنة

❊شرائح من المجتمع الفرنسي ترفض التسليم بوجود مقاومة جزائرية

❊أدعّم مضمون قانون تجريم الاستعمار بخصوص التجارب النووية في الجزائر

❊ضرورة تسليط الضوء على مجازر قرن ونصف قرن في حق الجزائريين

❊اليمين المتطرف لم يتجرع بعد صدمة انتزاع الجزائر استقلالها من فرنسا

❊أفكار اليمين المتطرف العدائية تجاه الجزائر وجاليتها مكنته سياسيا 

❊مواصلة العمل التاريخي لتعريف الفرنسيين بالمقاومة الجزائرية

❊تعرضت لتهديدات من اليمين المتطرف والحركى بسبب مضمون تقريري

وصف المؤرخ الفرنسي، بنجامان ستورا، تصويت البرلمان الجزائري على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي بالقرار السيادي لحماية ذاكرة الجزائر، مضيفا أن ذلك يعد بمثابة رد على القانون الفرنسي  الممجد للاستعمار الصادر عام 2005، في حين دعا فرنسا إلى التعامل مع الجزائر التي تعد أكبر دولة في إفريقيا في إطار الندية والعلاقات العادلة والمتوازنة.

أكد ستورا في حديث لـ«المساء" أنه من الطبيعي أن تسن الجزائر قوانين لحفظ ذاكرتها والدفاع عن مقاوماتها التي بدأت منذ دخول الاستعمار الفرنسي، الذي ارتكب عديد الجرائم، في الوقت الذي مازالت شرائح من المجتمع الفرنسي ترفض التحقق من التاريخ والتسليم بوجود مقاومة جزائرية.

  لا حرج في تقديم فرنسا اعتذارها في خطوة سياسية

كما أشار إلى أن ما تضمنه القانون الجزائري فيما يتعلق بتقديم الاعتذار قد تضمنه تقريره الذي أرسى مسارا يتم بموجبه وضع كرونولوجية دقيقة للأحداث التي شهدتها الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية ومن ثم إعداد برنامج لسلسلة الاعتذارات بناء على وقائع ملموسة، مضيفا أنه لا حرج في مواصلة المؤرخين عملهم موازاة مع إصدار قوانين الذاكرة، كما أن ذلك لا يمنع فرنسا من إدانة الجرائم المرتكبة خلال استعمارها للجزائر وتقديم اعتذارها وفق خطوة سياسية لا تعيق الجانب القانوني.

وبرّر المؤرخ الفرنسي ذلك بقيام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال ترشحه للانتخابات سنة 2017 بخطوة جريئة عندما وصف ما ارتكبته فرنسا في الجزائر بالجرائم ضد الإنسانية، كما اعترف لاحقا بمقتل المناضل موريس أودان ومقاومين جزائريين على غرار علي بومنجل والعربي بن مهيدي، علاوة على أحداث 17 أكتوبر 1961، مضيفا أن ماكرون سبق أن استقبل زوجة أودان وأحفاد علي بومنجل وقدم لهم اعتذاره بحضوره في الإليزي.

كما أشار إلى أنه سبق وأن ضمن تقريره "وصف الجرائم" في الأحداث الشنيعة التي عرفتها الجزائر منذ  الغزو الفرنسي عام 1830، مثل قطع رؤوس الجزائريين ونقل جماجمهم إلى باريس، فضلا عن إحراق جماعي للمدنيين الجزائريين سنة 1845 وقمع انتفاضة في منطقة القبائل عام 1871.

وزارة الدفاع الفرنسية رفضت تسليمي خرائط مواقع التجارب النووية

وأوضح ستورا أن عمل المؤرخين اقترح أيضا إعادة الممتلكات والأرشيف، على غرار الممتلكات الرمزية للأمير عبد القادر وكذا مدفع بابا مرزوق، في حين اعترف برفض وزارة الدفاع الفرنسية طلب من الخرائط السرية لتحديد المناطق التي طالتها التجارب النووية ومازالت تخلّف أضرارا جسيمة على البيئة والإنسان، رغم أن فرنسا سلمت في وقت سابق خريطة للألغام المزروعة على الحدود مع تونس والمغرب والبالغ عددها ثلاثة ملايين لغم.وبعد أن أكد بأنه يدعم النص الذي تضمنه قانون تجريم الاستعمار بخصوص التجارب النووية التي شهدتها الجزائر، أشار المؤرخ الفرنسي إلى أنه لا بد أيضا من تسليط الضوء على المجازر المرتكبة طيلة قرن ونصف قرن إلى جانب التعذيب والتهجير القسري للجزائريين.

اليمين المتطرف لم يتجرع صدمة استقلال الجزائر

وحول ما إذا كانت فرنسا تصر على إضفاء الطابع السياسي لملف الذاكرة بتأثير من التيارات التي ترفض أي مصالحة بين البلدين، قال ستورا إن هناك شرائح في المجتمع الفرنسي تعتبر أن غزو الجزائر قد أسس للقومية الفرنسية وشكل ذاكرتها، وأن استقلال الجزائر كان بمثابة الصدمة التي لم يتجرعها الفرنسيون ومازالوا يرفضون هذه الحقيقة التاريخية.

وذكر على سبيل المثال تيار اليمين واليمين المتطرف الذي يتبنى الفكر الكولونيالي ويصر على القول بأن كل ما قامت به فرنسا في الجزائر هو إيجابي في مختلف المناحي، بل إنه يصر على إنكار وجود قومية جزائرية وإثارتها للنقاش أصلا، بسبب ما سببه استقلال الجزائر من جرح لديه، مضيفا أن هذه الأفكار العدائية تجاه الجزائر والجالية الجزائرية شجعته على الصعود سياسيا.

ومن هذا المنطلق يرى ستورا أنه لابد من مواصلة العمل التاريخي لتعريف الفرنسيين بالمقاومة الجزائرية، حيث أن أغلبهم غير ملم بالنضال السياسي الذي بدأ في الجزائر قبل اندلاع ثورة نوفمبر، بقيادة ميصالي الحاج وزعماء آخرين.

وأكد في السياق على ضرورة إدراج تاريخ الوجود الفرنسي في الجزائر في الكتب المدرسية والمناهج التعليمية، فضلا عن الاستعانة بالسينما والتلفزيون وإشراك الشباب للاطلاع على الحقائق  التاريخية، بغرض تغيير ذهنيات بعض الفرنسيين الذين يرفضون مقاومة الجزائر لهم خلال الحقبة الاستعمارية.

وأشار إلى أن إصرار بعض الفرنسيين على إنكار وجود الأمة الجزائرية، دفعه للتفرغ في عمله التاريخي لإبراز القومية الجزائرية بحدودها الوطنية، متسائلا "لماذا يتم التركيز فقط على الوجود العثماني في الجزائر رغم أن الامبراطورية العثمانية كانت متواجدة في عديد الدول العربية؟". 

تعرضت لتهديدات من قبل اليمين المتطرف والحركى بسبب تقريري

وفي رده على سؤال حول تعرضه لتهديد من قبل اليمين المتطرف خلال إعداده للتقرير بغرض تغيير بعض مضامينه مثلما صرح بذلك في إحدى القنوات الفرنسية، قال ستورا أنه فعلا تعرض لهجوم عنيف من قبل هذا التيار الذي وصل به الأمر إلى حد تنظيم معرض لتشويه سمعته في بلدية بيربينييه بباريس  مع إصدار مقالات في الجرائد تنتقده بشدة، وإعداد عريضة لسحب وسام الشرف منه بتهمة ما سموه بانحيازه لآراء الطرف الجزائري، رغم أنه قام بمهتمه كمؤرخ فحسب.

ولم يسلم المؤرخ الفرنسي أيضا من هجوم الحركى وأبنائهم الذين رفضوا اقتراحاته التي من بينها إدخال شخصية مهمة وهي المحامية جيزيل حليمي في (البانتيون) وهو مكان مرموق في فرنسا خاص بالمشاهير، بسبب تأييدها لاستقلال الجزائر.

وفي ردّه على سؤال حول ما إذا كان يتوقع ردا من قبل فرنسا بعد مصادقة المجلس الشعبي الوطني مؤخرا على مشروع قانون تجريم الاستعمار في الجزائر، استبعد ستورا ذلك، انطلاقا من أنه لم يتم إصدار قوانين للذاكرة منذ 20 عاما في فرنسا، كما أن المؤرخين الفرنسيين يرفضون العمل في ضوء قوانين تشريعية تحد من حريتهم في البحث.