اعتبروا تحرّكها استدراكا لإخفاقات محاولة تجاوزها.. خبراء لـ"المساء":
باريس تدرك محورية الجزائر
- 132
أسماء منور
❊ اتفاق مبدئي على استئناف التعاون في ملفات الذاكرة والهجرة والقضاء
❊ كحلوش: مستقبل علاقات البلدين مرهون بالاحترام المتبادل والتوازن السياسي
❊ إدريس: المرحلة المقبلة مرشّحة لمؤشرات تقارب أقوى
❊ تيغرسي: الملفات العالقة تتطلب مقاربة جديدة قائمة على المصالح المشتركة
أكد خبراء في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن زيارة الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو، مرفوقة بالسفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى الجزائر، تعكس التوجه الفرنسي لإعادة بعث العلاقات الثنائية واحتواء حالة التوتر السياسي والدبلوماسي التي طبعت المرحلة الأخيرة، في ظل التحوّلات الإقليمية والدولية التي تفرض على باريس مراجعة طريقة تعاطيها مع الجزائر، باعتبارها شريكا محوريا في المنطقة، مسجلين الرغبة الفرنسية القوية في إعادة فتح قنوات الحوار والتعاون مع الجزائر على أسس جديدة قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
اعتبر الباحث في الدراسات الإستراتيجية والعلوم السياسية، نبيل كحلوش، زيارة أليس روفو إلى الجزائر، بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، تعكس وجود مساع فرنسية متواصلة لإعادة ترميم العلاقات الثنائية بعد فترة من التوتر والتصدع السياسي والدبلوماسي بين البلدين. وأوضح في تصريح لـ«المساء"، أن العلاقات الجزائرية - الفرنسية مرت بتحوّلات معقدة خلال السنوات الأخيرة، غير أن سنة 2026 قد تشكل مرحلة لإعادة بناء الثقة وإصلاح ما أفسدته الأزمات المتراكمة، مشيرا إلى أن الزيارات الرسمية الفرنسية المتتالية تؤكد إدراك باريس لأهمية الجزائر كشريك محوري في المنطقة.
وقدر بأن زيارة المسؤولين الفرنسيين إلى الجزائر تحمل 3 دلالات أساسية، أولها أن الارتباط الاقتصادي والاجتماعي بين البلدين يفرض نفسه كواقع جيوسياسي لا يمكن تجاهله من الطرفين، بالنظر إلى حجم المصالح المشتركة والتحديات الإقليمية والدولية الراهنة. أما الدلالة الثانية، فتتمثل في أن جذور الأزمة تعود أساسا إلى عوامل داخلية فرنسية، أكثر منها جزائرية، ما يظهر من خلال تضارب مواقف الفاعلين السياسيين الفرنسيين تجاه الجزائر، بين تيار يدعو إلى ترميم العلاقات وتعزيز التعاون، وآخر يسعى إلى تأجيج الخلافات وخدمة أجندات سياسية داخلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية الفرنسية المقبلة. وأضاف أن ثبات الموقف الجزائري في مختلف الملفات، عزّز موقعها التفاوضي، وجعلها تتمسك بعلاقات قائمة على الندية والاحترام المتبادل، دون تقديم تنازلات تمس بالمصلحة الوطنية، مؤكدا أن هذا المعطى فرض نفسه بقوة في طريقة تعاطي باريس مع الجزائر خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح الدكتور كحلوش أن زيارة أليس روفو، تندرج ضمن محاولة فرنسية لإعادة فتح قنوات الحوار السياسي والدبلوماسي مع الجزائر، غير أنها تبقى محاطة بعدة تعقيدات، لاسيما وأنها جاءت بعد فترة قصيرة من بث الإعلام الرسمي الفرنسي لمحتويات إعلامية استهدفت الجزائر، ما ألقى بظلاله على مناخ الثقة بين الطرفين. كما أشار إلى أن هذه الزيارات، رغم رمزيتها السياسية، ما تزال تفتقد إلى رؤية فرنسية واضحة ومنهجية مستقرة في إدارة العلاقة مع الجزائر.
وشدد الباحث على أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تجاوز اختزال العلاقات الثنائية في ملفات الهجرة والأمن فقط، والعمل على بناء شراكة شاملة تقوم على المصالح الاقتصادية والثقافية والسياسية، بما في ذلك استرجاع الأرشيف والإرث الجزائري المرتبط بفترة الاستعمار، إلى جانب تعزيز التعاون المتوازن بين البلدين. واعتبر زيارة روفو، رغم ما يحيط بها من ملفات ثقيلة وخلفيات معقدة، تبقى خطوة ضرورية للحوار المباشر والصريح، من أجل البحث عن نقاط التقاء تسمح بصياغة استراتيجية تعاون بعيدة المدى، قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة.
بدوره، أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية البروفيسور شريف إدريس، أن زيارة روفو، مرفوقة بالسفير الفرنسي في الجزائر، تحمل دلالات سياسية قوية وتعكس رغبة فرنسية واضحة في إعادة العلاقات الجزائرية- الفرنسية إلى مسارها الطبيعي. وأوضح في تصريح لـ"المساء"، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بات مقتنعا بأن استمرار الأزمة مع الجزائر لا يخدم فرنسا، خاصة في ظل التحوّلات الإقليمية والدولية المتسارعة، مضيفا أن ماكرون يسعى قبل نهاية عهدته إلى ترميم العلاقات مع الجزائر وإعادة بعث قنوات التواصل على أسس جديدة قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
كما أشار البروفيسور إدريس، إلى أن الجزائر ظلت ثابتة على موقفها الداعي إلى بناء علاقات متوازنة بعيدة عن النظرة الاستعلائية والحنين إلى الماضي الاستعماري، وهي النظرة التي ما تزال بعض التيارات السياسية الفرنسية، لاسيما اليمين المتطرف تتمسك بها. واعتبر أن ماكرون يسعى إلى استباق الاستحقاقات الرئاسية الفرنسية المرتقبة سنة 2027، والتي تطرح الكثير من الغموض بشأن هوية الرئيس المقبل وتوجهاته السياسية، ما ينعكس بشكل مباشر على مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية.
وأبرز البروفيسور أن فرنسا تدرك أهمية الجزائر ومكانتها الاستراتيجية، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الأمني أو الطاقوي، خاصة في ظل الاضطرابات التي تعرفها إمدادات الغاز نحو أوروبا، إلى جانب احتدام التنافس الدولي مع قوى كبرى على غرار الصين، وإيطاليا وإسبانيا، مؤكدا بأن باريس باتت تعي جيدا أنها لا تستطيع إدارة ظهرها للجزائر، بالنظر إلى دورها المحوري في منطقة الساحل والمغرب العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط.
وتوقع المتحدث أن تتبع هذه الخطوات مؤشرات أخرى أكثر قوة خلال المرحلة المقبلة، من خلال زيارات رسمية جديدة وربما قرارات فرنسية تتعلق بملفات الهجرة والتعاون الاقتصادي والدبلوماسي، مؤكدا أن الأسابيع والأشهر القادمة ستكون كفيلة بإظهار مدى جدية هذا التوجه الفرنسي. من جهته، أكد الخبير هواري تيغرسي أن مشاركة فرنسا، بطلب مباشر من الرئيس الفرنسي في إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945، تحمل أكثر من رسالة سياسية ودبلوماسية، خاصة وأن هذه الذكرى لا تمثل للجزائريين مجرد محطة تاريخية، بل رمز لذاكرة جماعية مرتبطة بجرائم الاستعمار الفرنسي.
وأوضح تيغرسي لـ"المساء"، أن هذه الخطوة يمكن قراءتها من زاويتين أساسيتين، تتمثل الأولى في كونها محاولة تهدئة وتودد من الجانب الفرنسي بعد أشهر من التوتر السياسي والإعلامي والدبلوماسي بين البلدين، أما الثانية فتتمثل في سعي فرنسا إلى تقديم إشارات حسن نية والعودة إلى لغة المصالح المشتركة بدل منطق التصعيد، خاصة في ظل التحوّلات التي عرفتها الدبلوماسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، من خلال توسيع شراكاتها الدولية مع دول فاعلة على غرار الصين، وتركيا، وإيطاليا، إلى جانب تعزيز حضورها داخل العمق الإفريقي.
واعتبر تيغرسي أن النية السياسية لدى فرنسا قد تكون موجودة بالفعل، غير أن إعادة بناء العلاقات بشكل عميق لا يمكن أن تتم في ظرف قصير، بالنظر إلى تعقيدات الملفات العالقة بين البلدين، مشيرا إلى أن الأزمة بين البلدين ليست ظرفية أو تقنية فقط، بل ترتبط بثلاثة مستويات أساسية، في مقدمتها ملف الذاكرة والتاريخ الاستعماري، إلى جانب تراجع منسوب الثقة السياسية خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن اختلاف الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والإفريقية والمتوسطية. وأشار إلى أن الأشهر المقبلة قد تشكل مرحلة تهدئة وإعادة فتح لقنوات التواصل بين البلدين، غير أن العودة الحقيقية للعلاقات تتطلب خطوات عملية وملموسة، وليس مجرد تصريحات دبلوماسية، مؤكدا أن الجزائر اليوم تتمسك بعلاقة قائمة على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.