نجح في إخراج الجزائر شامخة من دوامة الإرهاب الهمجي ومخططات أعدائها
اليامين زروال.. مهندس "قانون الرحمة" فارس يترجل
- 421
"لم آت إلى السلطة بحثا عن المجد أو المنصب بل جئت لأخدم الجزائر في ظرف صعب وسأغادرها عندما أرى مصلحة البلاد"، تبقى هذه العبارة التاريخية راسخة في أذهان الجزائريين من رئيس حكمهم في فترة عصيبة، لن يتحملها سوى من يحمل قدرا كبيرا من القوة ورباطة الجأش في مجابهة الصعاب وفي ظرف كان الكثيرون لا يتمنون أن يكونوا مكانه، بالنظر لحساسية المرحلة والانغلاق الذي عاشته الجزائر خلال عشرية كاملة، إنه الرئيس الأسبق الراحل اليامين زروال الذي غادرنا إلى دار الحق.
اعتلى الرئيس الأسبق زروال سدة الحكم عام 1994، حيث جرت تزكيته رئيسا للدولة في إطار ندوة الوفاق الوطني التي شاركت فيها الأحزاب السياسية، بعد انتهاء مدة حكم المجلس الأعلى للدولة الذي تأسس في أعقاب استقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في جانفي 1992. لينتخب في نوفمبر 1995، رئيسا للجمهورية في أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر، نافسه فيها ثلاثة مرشحين آخرين.
وفي عام 1996، أصدر الراحل زروال دستورا جديدا تضمن تقييد العهدات الرئاسية بعهدتين فقط، واستحداث مجلس الأمة ليكون غرفة عليا في البرلمان، ومنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو عرقي، كما أصدر في الفترة ذاتها "قانون الرحمة"، الذي تضمن تدابير لعناصر الجماعات الإرهابية الذين ينزلون من الجبال ويسلّمون أسلحتهم.
وقبل ذلك كان الراحل اليامين زروال خلال شغله منصب وزير الدفاع في بداية التسعينيات وفي ظرف بالغ الصعوبة بسبب تصاعد الجرائم الإرهابية، قد قاد حوارا مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة وهم في السجن، بحثا عن حلّ للأزمة السياسية والأمنية في البلاد، قبل أن يعلن رسميا فشل الحوار، بعد رفض قادة الجبهة إدانة صريحة للإرهاب ورفع الغطاء السياسي عن الجماعات الإرهابية.
وفي خطوة فاجأت الرأي العام والساحة السياسية، أعلن الرئيس الأسبق تقديم استقالته في سبتمبر 1998، وإجراء انتخابات مسبقة جرت في أفريل 1999، توّجت بانتخاب الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة واتسمت فترة حكم الرئيس الراحل اليامين زروال بمرور البلاد بأزمة أمنية عنيفة ودامية ومقاومة فعّالة ضد الجماعات الإرهابية، وفي ظل ظروف صعبة للوضع الاقتصادي للبلاد، إلا أن الأولوية آنذاك كانت في استعادة الأمن والاستقرار للبلاد. ويعد الرئيس الأسبق اليامين زروال أحد أبطال الجزائر الذين قادوا البلاد في أصعب مرحلة مرت بها، حيث استطاع بحنكته وجهود وتضحيات كل الرجال التي عايشوا تلك الفترة معه، أن يخرج الجزائر شامخة منتصرة في وجه أعدائها.
ورغم الحظر الدولي غير المعلن الذي عاشته الجزائر خلال العشرية السوداء، إلا أن الرئيس الأسبق لم يقبل أن تذل الجزائر، فكان في كل مرة يقف بشموخ كالشجرة القوية التي لا تتأثر بالرياح العاتية في المحافل الدولية رغم أن الدولة كانت آنذاك على حافة الانهيار، حيث نذكر في هذا الصدد موقفا تاريخيا مازال محفورا في الأذهان وهو رفضه لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك في 1995 خلال مشاركته في مراسم رسمية بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، حفاظا على سيادة الوطن.
فقد حاول الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بطرس غالي، التوسط بين الرئيسين زروال وشيراك بعد العلاقات السيئة التي كانت بين الطرفين، بسبب الموقف السلبي لفرنسا تجاه الأزمة في الجزائر، إلا أن الطرف الفرنسي طالب بتنظيم لقاء بين شيراك وزروال في الكواليس، غير أن الطرف الجزائري رفض ذلك المقترح، وخلال لقاء الرئيسين أقدم شيراك على مصافحة اليمين زروال، لكن هذا الأخير رفض التحدث معه في الخفاء قائلا له "نتحدث لما تكونوا جاهزين"، مشيرا إلى أنفه، في دلالة على أن أنفته كرئيس للجزائريين تمنعه من عقد لقاء مع الرئيس الفرنسي سرا.
وقام الرئيس الأسبق بالموازاة مع مساعيه لإيجاد حلول للأزمة الأمنية، استعادة مكانة الجزائر على الساحة الدولية، حيث شهدت البلاد خلال فترة حكمه زيارات لوفود دولية وإقليمية رفيعة المستوى، كان من أبرزها وفد "الترويكا" الأوروبي الذي زار البلاد في جانفي 1998 للوقوف على الأوضاع الأمنية والإنسانية. وسبق ذلك زيارة وفد حقوقي رفيع المستوى من الأمم المتحدة سنة 1994 الجزائر لتقييم الوضع الحقوقي، لتليها زيارة لجنة من الخبراء سنة 1996، حيث تم إيفاد لجنة خبراء لتقييم الوضع الأمني والإنساني، في وقت كانت فيه البلاد تشهد أعمالا إرهابية خطيرة.
وكانت للرئيس الأسبق الذي التحق بالثورة التحريرية رغم صغر سنه قناعة راسخة بأن الإرادة أقوى من أي تحد صعب، وكان يؤمن دوما بأن الأمور ستتغير في الجزائر، ونستدل في هذا الصدد بمقولته الشهيرة التي وجهها للعالم "الجزائر ستخرج من محنتها وتقف على رجليها ويأتي اليوم الذي تأتون فيه طارقين بابنا الواحد تلو الآخر.."، ولم تكن هذه الجملة مجرد أمنية، بل أضحت حقيقة بائنة للعيان. شهامة الرئيس الراحل اليامين زروال نابعة من مبادئ ونهج سار عليه منذ نعومة أظافره، فكان يتابع أيضا ما يحدث من مظاهر اللاعدل التي يعيشها الشعب الفلسطيني بألم وغصة رحلت معه دون أن يرى حلم استعادة الحق المسلوب من قبل الكيان الغاصب.