مكافحة الإرهاب
المخابرات: قوة الاستشراف تقلب موازين الأرض
- 1211
مليكة خ
تعطي وزارة الدفاع الوطني ومصالح الأمن أهمية للوضع الأمني في جنوب البلاد في ظل حالة من عدم الاستقرار التي تعرفها منطقة الساحل منذ أكثر من سنة على الخصوص جراء تنامي نشاط الجماعات الإرهابية. الوضع المتوتر في هذه المنطقة التي تعيش على صفيح ساخن تجعل من الضروري البقاء في حالة يقظة إزاء ما يتربص بالأمن القومي للبلاد من مخاطر وذلك بتعزيز التجند والحراسة عبر المنافذ الحدودية التي يحاول الإرهابيون التسلل عبرها لتنفيذ مخططاتهم. جماعات اصطدمت بجدار منيع فرضته قوات الجيش والمصالح الأمنية وحال دون نجاح هؤلاء في اختراق الحصن من خلال تكثيف المراقبة اليومية والتي أسفرت عن اكتشاف عديد المخابئ وتفكيك شبكات تنشط في مناطق مختلفة ومكنت من حجز كميات مرعبة من الأسحة المتطورة والذخيرة التي تسللت عبر الحدود ولعل أبرزها تلك التي سجلت بولاية الوادي منذ أشهر قليلة وكذا بالمدية وبرج باجي مختار وتبسة وغيرها.
الجزائر التي اكتسبت تجربة رائدة في مكافحة الإرهاب بعد عشرية عصيبة من الدم والدمار لم تتخل عن نظرتها السياسية في معالجة الأزمات إلى جانب الخيار العسكري الذي يتم اللجوء إليه كآخر الحلول. وبلادنا تعتبر فاعلا أساسيا في تسوية النزاعات على غرار أزمة مالي وتشجيع الحوار بين الفرقاء الليبيين وظلت تعمل بتواصل وجاهدة على التصدي للمخاطر المحدقة بأمنها القومي، بل وبأمن المنطقة والسلم في العالم.
لم تستسلم الجزائر يوما لنبرات الاستخفاف إزاء الهواجس المنبعثة بشكل تهكمي من قبل بعض الفاعلين الدوليين، بل رأت في استفحال وتمدد الجماعات المسلحة خطرا لا يمكن تجاهله، لاسيما بعد أن سادت الفوضى في ليبيا وتغولت الجماعات المسلحة على أنظمة دول الجوار التي تعرف أنظمتها الأمنية هشاشة. أو على الأقل عدم دراية وخبرة في التعامل مع الظاهرة. وهو ما يبرر إبرام اتفاقات الشراكة الاستراتيجية بين الجزائر وتونس وليبيا والتي تأتي ضمن مسعى يهدف إلى تأمين دول الجوار.
في هذا الإطار اتخذت المؤسسة العسكرية التي اتسم نشاطها بالنظرة الاستشرافية، إجراءات لمكافحة الجريمة المنظمة من خلال تسييج الحدود الجنوبية على وجه التحديد بتكنولوجيا مراقبة عالية المستوى والذكاء التقني. وضبط الحدود التونسية الجزائرية بأكثر من 80 نقطة مراقبة على طول حدودها المشتركة مع تونس. كما تم نشر 60 ألف جندي في حدودها المشتركة مع دول الساحل الإفريقي، مستفيدة بذلك من تجربة تيقنتورين بعين امناس والتي عززت يقظة المصالح الأمنية، انطلاقا من قناعتها بأن الإرهاب لا يحمل جنسية والدليل على ذلك سلسلة الاعتقالات التي مازالت تستهدف إرهابيين من جنسيات مختلفة بالجنوب.
كما اتخذت قيادة الدرك الوطني ووزارة الداخلية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي بليبيا وتونس إجراءات لتجفيف منابع الجريمة لاسيما على مستوى الجنوب، من خلال تحديد قائمة للسلع يحظر نقلها، لمنع وصولها إلى الجماعات الإرهابية على غرار ليبيا. وتمثلت في قطع الغيار أيا كان نوعها، والآلات الإلكترونية وأجهزة الاتصال وقائمة من الأدوية أهمها تلك الخاصة بالعمليات الجراحية وكل المستحضرات الكيميائية التي تدخل في أي صناعة، إلى جانب الوقود بمختلف أنواعه. ويأتي الإجراء لمنع حصول الجماعات الإرهابية على أي مواد أو تجهيزات تستغل في أعمال عدائية.
الخطة الأمنية لدول الساحل الإفريقي التي دخلت حيز التنفيذ شهر سبتمبر 2009،
وتشكيل دول المنطقة لهيئة أركان عسكرية موحدة (الجزائر وليبيا ومالي والنيجر وموريتانيا) بتفويض من مجلس السلم والأمن الإفريقي لمحاربة الإرهاب، تندرج كما ترى الجزائر بوصفها صاحبة الدور الأكبر فيها، في إطار قيادة الجهود الإقليمية لدول الساحل لخوض معركة جماعية حاسمة ضد التنظيمات الإرهابية.
الجزائر تولت سنة 2009 قيادة الجيوش وتركزت مهمتها بالخصوص على المساعدة التقنية والنقل الجوي للمؤن والذخائر والمعدات لإمداد جيوش الدول الأخرى التي تفتقر للإمكانيات.
معالم المقاربة الأمنية الجزائرية ترتكز على تسهيل عمل الجيوش النظامية لدول الساحل الإفريقي بما يمكنها من مطاردة الإرهابيين وراء الحدود، فضلا عن ضرب معاقل تنظيم القاعدة، وتجفيف منابع الدعم والإمداد اللوجستي التي تمول أفراده بالسلاح والأموال.
كما أن شساعة الصحراء الجزائرية تجعل من الصعوبة بمكان ضبط العمليات الإرهابية بالاعتماد فقط على قوات حرس الحدود. إن خطورة هذه المنطقة لا تقل عن التهديدات الإرهابية المرتكبة في المناطق الجبلية الوعرة وشمال ووسط البلاد. ولعل ذلك ما جعل التفكير في إقامة ناحية عسكرية سابعة مدعمة بأحدث الوسائل العسكرية التكنولوجية في منطقة الجنوب تكاد ترى النور في وقت ما، ليتبين مدى الأهمية التي تكتسيها منطقة الجنوب التي تمتد لمسافة تتجاوز 3000 كلم.
الدبلوماسية الجزائرية لم تأل جهدا في الترويج لصالح ثقافة السلم وهو ما تبين في المفاوضات التي قادتها في إطار حل أزمة مالي، مثلما تعترف بذلك الأطراف المالية المتنازعة التي ترى في مسار المخرج الأساسي. بل هو ما تشيد به المجموعة الدولية بأسرها.
بعد تصاعد الوضع الأمني في المنطقة، سيما بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي تبين أن موقف الجزائر كان صائبا في مكافحة الإرهاب مثلما اعترفت بذلك أخيرا الدول الغربية
وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي وصفت الحرب في ليبيا بالخطإ الاستراتيجي، لقد كانت الجزائر من أكثر الدول التي امتلكت الحجج الكافية لتبرير موقفها في مكافحة الظاهرة التي عانت منها سنوات عديدة وخلفت خسائر مادية بأكثر من 30 مليار دولار و200 ألف قتيل من ضحايا المأساة الوطنية التي طواها وضمدها ميثاق السلم والمصالحة.