ابتكارات وقدرات الشباب في قلب السياسة الوطنية لتشجيع المقاولاتية
المؤسسات النّاشئة.. رافد التنويع الاقتصادي
- 127
ق. إ
ساهمت المبادرات والآليات التي وضعتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، لتشجيع اقتصاد المعرفة والمؤسسات النّاشئة في بروز وترسيخ هذا القطاع الهام في النسيج الاقتصادي الوطني، ما أتاح للجزائر اليوم وضع الابتكار وقدرات الشباب في قلب سياستها الرامية لتنويع الاقتصاد.
اتخذت الدولة منذ 2020، عدة قرارات كبرى وأرست أجهزة موجهة لتشجيع إنشاء وتمويل وتطوير المؤسسات الناشئة تطبيقا لالتزامات رئيس الجمهورية السيّد عبد المجيد تبون، في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى تنويع الاقتصاد الوطني. وتهدف التدابير المتخذة على وجه الخصوص إلى تشجيع المقاولاتية وإنشاء مؤسسات مبتكرة من قبل الشباب خرّيجي الجامعات بغية الإسهام في النّمو الاقتصادي خارج المحروقات، وتحفيز الاستثمارات في المجالات الرقمية والتكنولوجية.
وقد ارتكزت سياسة دعم وترقية المؤسسات النّاشئة على استحداث آلية للتأطير والمرافقة، من خلال إنشاء وزارة خاصة لقيادة سياسات الابتكار والمنظومة المقاولاتية، فضلا عن لجنة وطنية لمنح وسم "مؤسسة ناشئة" مكلّفة بتحديد وتصديق ودعم المؤسسات المبتكرة ذات الإمكانات العالية للنّمو، كما عملت السلطات العمومية على خلق منظومة بيئية ملائمة لتطوير المؤسسات النّاشئة.
وفي هذا الإطار تم إنشاء الصندوق الوطني للمؤسسات النّاشئة (ASF) لدعم تمويل المؤسسات الفتية، وسد العجز في رأسمال المخاطر، وتشجيع المشاريع ذات النّمو المرتفع مع إنشاء المسرع "ألجيريا فنتور" الذي يوفر برامج تدريب وتكوين ويرافق المؤسسات النّاشئة طوال مرحلة انطلاقها. وبالإضافة إلى هذه الآليات تمنح السلطات العمومية، تحفيزات جبائية هامة للمؤسسات النّاشئة الحاصلة على الوسم وكذا للحاضنات، كما تم استحداث مسابقات وجوائز وطنية على غرار جائزة رئيس الجمهورية لأفضل مؤسسة ناشئة، التي أعلن عنها مؤخرا من أجل ترقية المقاولاتية واقتصاد المعرفة وتشجيع الشباب حاملي المشاريع.
كما عرف القطاع إطلاق مبادرات متعددة لتعزيز الروابط مع المنظومات العالمية الكبرى من خلال زيارات للدراسة والاستكشاف للمؤسسات النّاشئة الوطنية إلى عدد من الدول ذات التجربة الكبيرة في مجال الابتكار والمقاولاتية، علاوة على المشاركة في فعاليات دولية. في نفس السياق، بادرت الجزائر بإطلاق واحتضان المؤتمر الإفريقي للمؤسسات النّاشئة الذي انعقدت طبعته الرابعة من 4 إلى 7 ديسمبر 2025، بمشاركة أكثر من 35 وفدا وزاريا وأزيد من 200 عارض و25.000 زائر. ويجسد هذا الحدث الذي صار أحد أبرز الفعاليات الدولية المخصصة للمؤسسات النّاشئة مكانة الجزائر كمحور تكنولوجي قاري ودورها في تطوير الابتكار في إفريقيا.
وسمحت الجهود المبذولة لدعم الشباب المقاولين للبلاد بالحصول على اعتراف دولي، لا سيما جائزة "بطل السياسات المقاولاتية" التي منحت في إطار المنتدى العالمي للمقاولاتية بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو تتويج يعكس النتائج التي حققتها العديد من المؤسسات النّاشئة الجزائرية التي أصبحت قصص نجاح حقيقية مندمجة في المنظومة المقاولاتية الدولية، مع أنشطة تدر الملايين من الدولارات من رقم الأعمال وتقدم حلولا تكنولوجية لا غنى عنها على المستويين الوطني والدولي.
وبعد هذه المرحلة من البناء التي وصفت بالناجحة يشرع القطاع الآن في مرحلة جديدة من الترسيخ، محددا أهدافا طموحة لتجسيدها من بينها إنشاء 20.000 مؤسسة ناشئة بحلول نهاية 2029 مقابل نحو 200 مؤسسة أنشئت سنة 2019 وما يقارب 13.000 حاليا. وفي هذا السياق، تم أيضا تخفيف الولوج إلى السوق المالية قصد تسهيل دخول المؤسسات الناشئة من خلال جهاز استثنائي للإعفاء من رسوم الإدراج في البورصة، وهو ما مكن من إدراج أول مؤسسة ناشئة جزائرية في بورصة الجزائر مطلع سنة 2025.
وقد أطلق هذا الجهاز لفائدة المؤسسات الناشئة المبتكرة ذات الإمكانات العالية للنّمو الراغبة في جمع أموال خلال الفترة 2026-2028، في حدود 500 مليون دينار، كما أن إطلاق وسم "سكيل آب" وهو تصنيف جديد للمؤسسات الناشئة، والذي من شأنه كذلك دعم الجهود المبذولة لتطوير هذا القطاع الاستراتيجي. ويمنح هذا الوسم للشركات التي تسجل نموا لا يقل عن 20 بالمائة من رقم أعمالها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وتخصص ما لا يقل عن 3 بالمائة من إيراداتها للبحث والتطوير، وهو ما يترجم النّضج المتزايد للمنظومة المقاولاتية، ويؤكد الدور المتنامي لقطاع التكنولوجيا الجزائري في تطوير الاقتصاد الوطني.