« فرانس 2" تقع في وحل النفاق السياسي لدوائر القرار بباريس

الصعلكة الإعلامية بتزكية رسمية

الصعلكة الإعلامية بتزكية رسمية
  • 135
مليكة.خ مليكة.خ

 "في مستنقع الأكاذيب لا تسبح سوى الأسماك الميتة"، هذه المقولة تنطبق على الخطوة غير الأخلاقية للقناة العمومية الفرنسية "فرانس 2"، التي ضربت عرض الحائط أخلاقيات مهنة الصحافة، حيث لم تكتف بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر وتوجيه انتقادات ألفناها بإيعاز من دوائر فرنسية مازالت تعارض أي مصالحة بين البلدين، بل إنها انحرفت إلى قاع الانحطاط، أقل ما يقال عنه إنه يعكس أسلوب "الصعلكة الإعلامية" التي كشفت عن أنفس مشحونة بالغل والحقد الدفين تجاه بلد لم يقبل الرضوخ لمساومات مستعمر الأمس.

يبدو أن تدني الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فرنسا، قد طال  أيضا المستوى الإعلامي في بلد كثيرا ما كان يزعم أنه نموذج لهذه المهنة النبيلة، حيث لم يستطع أن يخرج من وحل النفاق السياسي الذي أوقع نفسه فيه كرهينة للتهور السياسي لدوائر القرار الفرنسية.

فقد تبين أن فرنسا الرسمية لم تشف من خلفيات ماضيها الاستعماري الملطخ بدماء شعوب إفريقيا وخاصة الجزائر التي نجحت بعد ثورة، قل ما عرفها التاريخ الحديث، في كسر شوكتها التي كانت تتباهى بها أمام الأمم، ما شكل لديها غصة في الحلق وأضحت تعيش على وقعها حالات هيستيريا غير طبيعية، انعكست سلبا على سياستها الخارجية التي أصبحت محل سخرية  في محيطها الإقليمي.

الأكاذيب والاستفزازات الخطيرة التي بثتها القناة الفرنسية، فتحت مرحلة جديدة  من التصعيد المعادي للجزائر، في الوقت الذي كان يؤمل فيه، أن يصحح المسار وفق الندية التي تتمسك بها الجزائر، تماشيا مع المعطيات الراهنة، غير أن السلطات الرسمية الفرنسية، كشفت عبر قناتها التلفزيونية، بما لا يدع مجالا للشك، عن وفائها لامتدادها الكولونيالي وحرصها على إحيائه من دون مواربة.   

الأدهى من كل ذلك، أن هذه الحملة ضد الجزائر ورموزها ومؤسساتها، كانت بتواطؤ السفير الفرنسي الذي كان طرفا فاعلا في النقاش، في خطوة غير مسبوقة في الأعراف الدبلوماسية، إذ في الوقت الذي يفترض أن تكون مهمته محصورة في الارتقاء بالنقاش لخدمة العلاقات الثنائية ومصالحها المشتركة، راح بتصرف متهور "يسفر" عن مكبوتاته الحاقدة  ويغرز اسفينه في شعرة معاوية المرتخية.

والواقع أن تصرفات السفير الفرنسي المشبوهة، أصبحت جلية وعلانية منذ فترة آخرها تصريحاته لإذاعة فرنسا الدولية، حيث عبر عن انزعاج بلاده من اعتماد قانون  تجريم الاستعمار بدعوى سعي باريس للتهدئة والتفاهم مع الجزائر، غير أن زيفه سرعان ما انكشف  في الحصة التي بثتها  قناة "فرانس2"،  حيث  ساهم  بقدر كبير  في صب الزيت على النار.

ويبدو أن فرنسا الرسمية التي فشلت في مجابهة تحدياتها الإقليمية، لم تجد بدا من إثارة النقاش حول الجزائر لتحويل الأنظار عن أزماتها الداخلية الصعبة وسقطاتها على المستوى الإقليمي والدولي، خاصة بعد أن طردت شر طردة من القارة الإفريقية بسبب سياستها الاستعلائية .

وتصر باريس على تحميل أجزاء من خيباتها وخسارتها في القارة السمراء على الجزائر، محملة إياها مسؤولية ما زعمت أنه "تحريض" الأفارقة  على كشف الجرائم الاستعمارية الفرنسية طيلة عقود من الزمن، من خلال رعايتها لمؤتمر دولي حول تجريم الاستعمار في إفريقيا، ليليه مؤخرا مصادقة البرلمان بغرفتيه على قانون تجريم الاستعمار والذي لم تستسغه أوساط فرنسية عديدة.    

وانطلاقا من هذا الانحراف الإعلامي الخطير، كان رد الجزائر صارما  تجاه ما تضمنه البرنامج من افتراءات وأكاذيب عارية من الصحة، خاصة وأنها كانت برعاية رسمية لا يساورها أي شك، ما يعني سقوط القناع وانكشاف النوايا المبيتة التي لم يعد اليمين المتطرف يغذيها فحسب، بل أضحت فعلا برعاية رسمية من الدولة وصناع قرارها، في خطوة تؤكد مجددا رفض الطرف الفرنسي لأي مصالحة حقيقية مع الجزائر .

ووفق بيان وزارة الشؤون الخارجية والردود المنددة للتشكيلات الوطنية، فإن الجزائر لن تمرر هذا الانحراف الخطير للقناة الفرنسية العمومية، خاصة وأن فرنسا الرسمية، مسؤولة على تأجيج الوضع بشكل متعمد، ما يعني أن الإجراءات المنتظرة من شأنها أن تأخذ مجرى أكثر.