النّائب العام لدى مجلس قضاء بومرداس يعرض ملابسات فاجعة حافلة الكرمة

الحبس المؤقت لـ3 متهمين وتفاصيل صادمة حول التلاعب بالقانون

الحبس المؤقت لـ3 متهمين وتفاصيل صادمة حول التلاعب بالقانون
  • 139
حنان. س حنان. س

❊ التحاليل وهاتف السائق يثبتان القيادة تحت تأثير المخدرات والإرهاق 

❊ تسجيل هاتفي يثبت مسؤولية صاحب وكالة سياحية ومالكي الحافلة 

 أمر قاضي التحقيق لدى محكمة بومرداس، أمس، بإيداع 3 متهمين رهن الحبس المؤقت على خلفية حادث المرور المأساوي الذي شهدته منطقة "الكرمة" ببلدية بومرداس وأدى إلى وفاة 28 شخصا وجرح 36 آخرين. ويتعلق الأمر بكل من "خادري إلياس" (صاحب وكالة سياحية) ومالكي الحافلة "يوسفي عبد الرزاق" و"يوسفي المكي"، حيث وجهت لهم تهم المشاركة في القتل الخطأ لعدة أشخاص، المشاركة في الجروح الخطأ، والتحرير العمدي لإقرارات وشهادات تثبت وقائع غير صحيحة.

عاد النّائب العام لدى مجلس قضاء بومرداس، السيّد قارة شاكر، أمس، في ندوة صحفية بمقر المجلس إلى حيثيات الحادث الأليم الذي وقع في 31 جويلية 2026 في حدود الساعة التاسعة و40 دقيقة، بالطريق الوطني رقم 24 الرابط بين بلديتي بومرداس وزموري (منطقة الكرمة)، والمتمثل في انقلاب حافلة لنقل المسافرين قادمة من مدينة العلمة بولاية سطيف في إطار رحلة سياحية متجهة نحو شاطئ الكرمة. وأسفرت الفاجعة عن تسجيل 28 حالة وفاة وإصابة 36 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة غادر منهم 19 المستشفى بعد تلقيهم الإسعافات، فيما يخضع 17 مصابا لمتابعة طبية مستمرة حتى تاريخ إحالة الملف.

تلاعبات قانونية وتغطية صورية تحت غطاء وكالة سياحية

كشفت التحقيقات القضائية والأمنية المكثفة عن خبايا تنظيم هذه الرحلة والوضعية القانونية للمركبة والمشرفين عليها، حيث تبيّن أن عملية الحجز تمت عبر صفحة للتواصل على "فيسبوك" تحمل اسم "أيوب فواياج"، أوهمت زبائنها بأنها وكالة سياحية تملك أسطولا من الحافلات، مع اعتماد الهاتف كوسيلة للحجز بمقابل 1400 دينار. كما أبان التحقيق عن مخطط لتنازل صوري للتملص من المسؤوليات، إذ تبيّن أن المالكين الحقيقيين للحافلة (يوسفي عبد الرزاق وشقيقه يوسفي المكي) يستغلان المركبة شتاء في النّقل الجامعي، بينما يلجآن صيفا إلى إبرام عقد بيع صوري مع وكالة "بربر تورز" لصاحبها "خادري إلياس". وبموجب هذا الاتفاق الصوري يواصل المالكان استغلال الحافلة لحسابهما الخاص مقابل مبالغ مالية شهرية لصاحب الوكالة الذي يزودهما بنسخ من السجل التجاري ونماذج لأوامر بمهمة مختومة على بياض، ليتولاّ ملء بيانات السائق والوجهة بصفة انفرادية.

الطريق مطابق للمواصفات ومعايير السلامة

على عكس ما تم تداوله خلال الأيام الأولى للحادث، أثبتت معاينة مكان الحادث والظروف الجوية أن الشطر الذي وقع فيه الانقلاب من الطريق الوطني رقم 24 يعتبر خطا مزدوجا وحديثا دخل الخدمة في أوت 2025. وأوضحت المعاينة أن الحادث وقع عند انحدار بنسبة 7% في طريق سليم، خال من الحفر أو الزيوت أو الرمال، ومزود بحواجز واقية مطابقة للمواصفات التقنية، فضلا عن وجود إشارات مرورية تحدد السرعة بـ60 كم/سا وإشارات تحذيرية من خطر الانحدار والمنعرجات في ظل ظروف جوية حسنة ورؤية ممتازة.

سرعة جنونية، حمولة زائدة وعطل قديم 

كما أظهر الفحص التقني المعمّق للحافلة (من نوع هايغر 2011) تجاوزات تقنية خطيرة، فبالرغم من أن طاقتها الاستيعابية القانونية محددة بـ51 راكبا، إلا أنها كانت تقل 64 راكبا. وقُدرت سرعة الحافلة قبل الكبح مباشرة عند مدخل المنعرج بـ121.63 كم/سا، ما يعادل ضعف السرعة المسموح بها قانونا في تلك النقطة. وقد ترك الكبح الاضطراري آثارا على الطريق، حيث تم العثور على آثار فرملة للعجلة اليسرى بطول 14.5 مترا، وللعجلة اليمنى بشكل متقطع (1.6 متر و4.9 متر)، وانحرفت الحافلة لجهة اليسار لتصطدم بالفاصل العلوي، قبل أن تعبر إلى الاتجاه المعاكس لمسافة 71.72 مترا، وتستقر داخل مجرى مائي خرساني على بعد 18.23 مترا عن حافة الطريق.

من النّاحية الميكانيكية أثبت التقرير التقني ـ حسب النّائب العام ـ أن منظومة الفرملة التقليدية ونظام التوجيه كانا سليمين قبل وقوع الحادث، وأن العجلات كانت في حالة صالحة للسير. كما أوضح الخبراء أن الصور المتداولة عبر مواقع التواصل بشأن ربط أذرع الدفع بأسلاك ومطاط لا تتعدى كونها "تصليحا ارتجاليا" لكتم الصوت ولا تؤثر على ديناميكية الحافلة. في المقابل رصد الفحص عطلا معتبرا في نظام المساعدة على الكبح الكهرومغناطيسي، حيث كانت الفعالية الإجمالية للنظام لا تتجاوز 50%.

السائق في وضعية غير قانونية.. إرهاق شديد وقيادة تحت تأثير المخدرات

تشير التحريات المتعلقة بسائق الحافلة المتوفي في الحادث "ذيب أسامة" إلى أنه كان يعمل في وضعية غير قانونية دون عقد عمل أو تغطية اجتماعية، وكان يُكلف بالرحلات مقابل مبالغ مالية مقابل كل سفرية. وأكدت المعطيات أن السائق كان يعاني من إرهاق بدني شديد، حيث عاد من رحلة إلى ولاية جيجل بعد منتصف ليلة الحادث، قبل أن يُعاد تكليفه بالانطلاق مجددا نحو بومرداس بعد سويعات قليلة دون أخذ أي قسط من الراحة. وفجّرت التحاليل المخبرية لدم السائق مفاجآت صادمة بعدما أثبتت وجود مواد مخدرة ومؤثرات عقلية من أصناف مختلفة في جسمه أثناء القيادة. 

وأفاد النّائب العام، أنه للتعمّق في ملابسات القضية جرى تفريغ محتوى الهاتف النقال للسائق، حيث عُثر على تسجيل صوتي مؤرخ في 29 جويلية، يقول فيه "نساعفوها بالفرانات وخلاص.. حتى نخدموها نهار السبت"، ما يثبت علمه المُسبق بعطل نظام الكبح الكهرومغناطيسي وتأجيل إصلاحه. كما كشف تفريغ المحادثات والرسائل النصية عن تواصله بأسماء مستعارة لطلب مواد مخدرة، وأظهر التحقيق تداول مصطلحات "صاروخ"، "غارو"، "مشطة"، "غبرة"، و"حلوة" ضمن 93 مكاملة بأرقام وتواريخ مختلفة، إلى جانب محادثات عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي تعكس حجم الضغط والإرهاق المهني للسائق في إشارة لعدم نيله القسط الكافي من النّوم.

وكشف النّائب العام، أنه بتاريخ 8 أوت 2026، تم إحالة القضية على قاضي التحقيق لدى محكمة بومرداس، الذي أمر بإيداع المتهمين الأساسيين في القضية رهن الحبس المؤقت عقب استكمال إجراءات المثول الأولي، حيث وجهت لهم تهم ثقيلة تتعلق بالمشاركة في القتل الخطأ لعدة أشخاص إثر حادث مرور باستعمال مركبة للنّقل الجماعي، المشاركة في الجروح الخطأ والتحرير العمدي لإقرارات وشهادات تثبت وقائع غير صحيحة طبقا للمواد 126 و128 و129 و134 الفقرة 2 من قانون المرور والمادة 124 من قانون مكافحة التزوير. كما كشف النّائب العام أن الجهات القضائية لدى محكمة بومرداس، تواصل التحقيق في القضية لتحديد كافة المسؤوليات الجزائية والمادية المتعلقة بالحادث.