رغم تداخل نشاط التنظيمات الإرهابية مع الشبكات الإجرامية بمنطقة الساحل.. ميزاب:

الجيش يتحكم باقتدار في محيطه الاستراتيجي

الجيش يتحكم باقتدار في محيطه الاستراتيجي
  • 174
شريفة عابد شريفة عابد

أكد الخبير الاستراتيجي، أحمد ميزاب، أن العملية النوعية التي نفذها الجيش الوطني الشعبي باستلام الرعية الألماني بعد اختطافه من قبل مجموعة إجرامية مسلحة بالنيجر، تحمل رسائل استراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي، مفادها أن الجزائر ما تزال تمتلك أدوات التأثير والفعل في محيطها الاستراتيجي، على الرغم من كون منطقة الساحل الإفريقي من أكثر المناطق هشاشة بسبب تداخل نشاطات التنظيمات الإرهابية مع شبكات الجريمة المنظمة كتجارة السلاح والمخدرات والهجرة غير شرعية.

أشاد ميزاب في تصريح لـ” المساء” بالقدرة التي أظهرها الجيش الوطني الشعبي في تحقيق عملية استلام الرعية الألماني المختطف بالنيجر، مؤكدا أن العملية تمت في بيئة صعبة ومعقدة، لا يمكن فيها تحقيق نجاحات من هذا النوع إلا بامتلاك “منظومة استخباراتية فعالة وقدرات عملياتية عالية المستوى”. 

وأشار إلى أن العملية تؤكد أن الجزائر لا تكتفي بمراقبة التهديدات القادمة من منطقة الساحل، بل تمتلك القدرة على التعامل معها واحتوائها قبل أن تتحول إلى مخاطر مباشرة على الأمن الوطني أو الإقليمي، “لا سيما وأن التوقيت له دلالات مهمة، بحكم أنها تأتي في مرحلة تشهد فيها منطقة الساحل تحولات عميقة على مستوى التحالفات الأمنية وتراجعاً نسبياً لبعض آليات التعاون الإقليمي التقليدية”.

 من هذا المنطلق، يرى محدثنا أن نجاح الجيش الوطني الشعبي في استعادة الرعية الألماني يبعث برسالة واضحة مفادها أن الجزائر ما تزال تمتلك أدوات التأثير والفعل في محيطها الاستراتيجي، مشيرا إلى العملية تحمل بعدا آخر بالغ الأهمية، وهو أنها “تعزز مكانة الجزائر كشريك موثوق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وحماية الرعايا الأجانب، بما ينعكس إيجاباً على صورتها الدولية وعلى مستوى الثقة التي تحظى بها لدى شركائها”. واعتبر ميزاب أن أكبر خطر يهدد منطقة الساحل اليوم هو اندماج الجماعات الإرهاب بالجريمة المنظمة، لافتا إلى أن “الجماعات المسلحة لم تعد تعتمد فقط على الخطاب العقائدي أو الأيديولوجي، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد إجرامي ضخم يدر ملايين الدولارات سنويا”. وأشار إلى أن منطقة أصبحت فضاء مفتوحا تتقاطع فيه مصالح الإرهابيين والمهربين وتجار السلاح وشبكات الاتجار بالبشر، ما يجعل مكافحة الإرهاب في الساحل، حسبه، “لم تعد مسألة عسكرية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بالتنمية والحوكمة والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة”.

وحول الدور الذي يفترض أن تلعبه رابطة علماء وأئمة الساحل في مواجهة الفكر المتطرف وتوعية الشباب من مخاطر التجنيد في الشبكات الإجرامية بمختلف أنواعها، أكد الخبير الاستراتيجي أن المعركة الحقيقية في الساحل، اليوم ليست فقط معركة أمنية، بل هي معركة “وعي وفكر وهوية”، تقديرا منه أن التنظيمات المتطرفة تدرك جيداً أن السيطرة على العقول أكثر أهمية من السيطرة على الأراضي، وهو ما يبرر استهدافها للشباب، مستغلة ظروفهم الاجتماعية في ظل مناخ يسيطر عليه الجهل وضعف التأطير الديني.

من هذا المنطلق، يضيف ميزاب، تبرز أهمية جمعية رابطة علماء الساحل، باعتبارها فضاءً علمياً وفكرياً قادراً على بناء جبهة فكرية وثقافية عابرة للحدود في مواجهة خطاب التطرف. وعلى هذا الأساس يقول “يكمن دور الرابطة في إنتاج خطاب ديني وسطي متجذر في المرجعيات الإسلامية الإفريقية المعتدلة التي عرفت بها المنطقة عبر قرون، كما ينبغي عليها الاستثمار بقوة في الفضاء الرقمي، لأن الجماعات المتطرفة انتقلت منذ سنوات من المساجد المعزولة إلى الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي”.

وشدد ميزاب على ضرورة إطلاق برامج لتكوين الأئمة والدعاة والمرشدين الدينيين، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الدينية والجامعات ومراكز البحث، حتى لا يظل العمل الفكري مشتتاً أمام تنظيمات تمتلك خطاباً دعائياً منظماً وعابراً للحدود، معتبرا أن المستقبل سيجعل من مفهوم “الأمن الفكري” ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي  في منطقة الساحل، “فكما تحتاج الدول إلى جيوش لحماية الحدود، فإنها تحتاج أيضاً إلى مؤسسات علمية وفكرية تحمي العقول من الاختراق والتطرف.. وعلى هذا الأساس يمكن لرابطة علماء الساحل أن تتحول إلى إحدى أهم أدوات الوقاية الاستراتيجية في المنطقة إذا نجحت في الانتقال من الوعظ التقليدي إلى دور استباقي يشارك في صناعة الوعي ومواجهة التطرف وتجفيف منابعه الفكرية والاجتماعية”.