تقرير لخبيرة أمن الطاقة بمركز جنيف للدراسات السياسية روضة المعلاوي يكشف:
الجزائر فاعل رئيسي في السوق الطاقوية الإفريقية
- 162
شريفة عابد
أكدت الدكتورة روضة المعلاوي، الخبيرة في الشؤون الاقتصادية والأمن الطاقوي بمركز جنيف للدراسات السياسية بسويسرا، في تقرير لها أن المشاريع الطاقوية التي تقوم بها الجزائر بإفريقيا "تندرج ضمن تحرك جزائري متكامل لتعزيز الحضور الاقتصادي والطاقوي في العمق الإفريقي، خاصة في الفضاء الحيوي لمنطقة الساحل".
أوضحت المعلاوي في تقريرها الذي تحصلت "المساء" على نسخة منه، أنه بتصديرها لأولى شحنات وقود الطائرات من نوع Jet A1 الموجهة إلى السوق النيجرية عبر مصفاة أدرار RA1D، تفعيلا للاتفاقية المبرمة مع الشركة النيجرية للبترول، تكون الجزائر قد انتقلت من تصدير المحروقات إلى تصدير القيمة المضافة، حيث تتجلى الأهمية الاستراتيجية لهذه العملية في طبيعة المنتج ذاته، مشيرة إلى أن الجزائر لم تعد تكتفي بتصدير النفط الخام، بل تثبت اليوم قدرتها المتنامية على تحويل المحروقات وتكريرها إلى منتجات عالية القيمة المضافة وتسويقها إقليميا.
وأشار التقرير إلى أن الجزائر ليست بصدد عملية بيع عابرة للوقود، بل أمام تحول استراتيجي ينتقل بها من تصدير الموارد إلى تشكيل ممرات ونفوذ طاقوي جديد يمتد من المتوسط إلى قلب القارة الإفريقية، حيث يكتسي وقود الطائرات، حسب التقرير "أهمية استثنائية"، كونه منتجا حيويا يمس عددا من القطاعات على غرار النقل الجوي والتجارة وتنقل الأفراد، لذلك فإن الإمداد المنتظم بهذه المادة يخلق شبكة مصالح واعتماد متبادل بين المنتج والمستهلك على المدى البعيد.
كما أشارت الخبيرة إلى أن "شحنة وقود الطائرات التي صدرت للنيجر تحمل دلالة عملية لا تخطئها العين"، وهي أن "الجزائر تضع قدما ثابتة في سوق المشتقات النفطية في الساحل"، خاصة إذا توسعت الصادرات النفطية مستقبلا، بما يسمح من تحول محطة أدرار والمدن الجنوبية إلى "مراكز لوجستية" في شبكة تجارية وازنة مع إفريقيا.
واستندت المعلاوي في تحليلها إلى المؤهلات الجغرافية للجزائر، باعتبارها جسرا بين بلدان حوض المتوسط وإفريقيا، وتمتعها بمخزون طاقوي كبير، إضافة إلى السمعة الكبيرة التي تتمتع بها شركة سوناطراك، وامتلاكها لإمكانيات هائلة تسمح بتغطية كافة مراحل سلسلة القيمة، فيما يمنح الغاز الطبيعي للجزائر وزنا جيو-سياسيا في علاقاتها مع أوروبا.
وترى الخبيرة من خلال تقريرها، أن تركيز الجزائر على دولة النيجر يعود إلى كونها إحدى أهم دول جوار الجزائر، ولوجود علاقات تعاون ثنائية بين البلدين تشهد ازدهارا متزايدا في الآونة الأخيرة، حيث أشارت إلى أن التعاون الطاقوي بين البلدين عرف منحى تصاعديا، لا سيما بين شركة سوناطراك وشركة البترول النيجيرية "سونيديب"، فضلا عن وجود مبادرات شملت مجالات الغاز والتكوين وتبادل الخبرات، بعد التوقيع على مذكرات تفاهم لتطوير التعاون البيني في هذه المجالات.
وفي قراءة اقتصادية لما تقدمه مصفاة أدرار، فقد اعتبرتها نقطة "ارتكاز إقليمية"، مستندة في ذلك على موقعها الجغرافي وهو ما يرفع من القيمة المضافة للمصفاة، التي لم تعد، حسب التقرير، مجرد مصفاة محلية لتكرير المواد داخليا، بل تحولت إلى حلقة وصل لوجستية في ممر تجاري وطاقوي ممتد، يؤمّن وصول الصادرات نحو النيجر.
وتوقعت الدكتورة روضة المعلاوي، أن يتحول الجنوب الجزائري إلى ركيزة أساسية في المعادلة الاستراتيجية للجزائر من أجل التواجد في العمق الإفريقي، حيث تمثل المنتجات النفطية المكررة القاطرة الجديدة للتوسع الاقتصادي الجزائري في إفريقيا، بالنظر لعوامل، حددتها الخبيرة، في كون أسواق الساحل الإفريقي تعاني من تحديات هيكلية تتصل بأمن الإمدادات وتكاليف النقل ومحدودية مصافي التكرير، في ظل امتلاك الجزائر لبنية تحتية صلبة، وقدرات تكرير متطورة، وشركة وطنية تراكمت لديها خبرات واسعة في الإنتاج والتسويق.
وأوضحت أن التحولات الراهنة في مشهد الطاقة العالمي أعادت تعريف مفهوم "الأمن الطاقوي"، إذ لم يعد المعيار هو من يملك النفط فقط، بل من يملك المقدرة على تكريره، ونقله، وتأمين وصوله إلى المستهلك النهائي، وهو ما يؤهل الجزائر حسبها، للتحول إلى بلد يحقق "الأمن الطاقوي"، مشيرة الى أن انتظام توريد الطاقة إلى النيجر وتوسيع مثل هذه النماذج نحو دول أخرى في الساحل، كفيل بتحويل سوناطراك إلى شريان حيوي يربط شمال القارة بعمقها الجنوبي.
وبعد أن أبرزت الإمكانيات التي تتمتع بها شركة سوناطراك، أشارت المعلاوي إلى إمكانية تنويع وتوسيع صادراتها النفطية نحو دول إفريقية أخرى، في ظل مواكبة الشركة للتطور اللوجستي وتوسيع قدراتها في التكرير بالجنوب، معتبرة نجاح التجربة مع النيجر نموذجا لتأطير عقود طويلة الأجل لتوريد البنزين والديزل ووقود الطائرات لأسواق إفريقية أخرى شريطة استكمال بناء سلاسل إمداد منافسة، وتأمين مسارات النقل، وإبرام اتفاقيات تجارية ومالية مستقرة.