مجاهدون وذوو احتياجات خاصة وشباب يختارون ممثليهم في البرلمان
الجزائر المنتصرة تبنى بسواعد الجميع
- 185
ق. و/ وأج
❊ التشريعيات تستقطب فئات مختلفة من المجتمع لدعم مؤسسات الدولة
استقطبت الانتخابات التشريعية للثاني من جويلية الجاري، مختلف فئات المجتمع، اختارت التوجه إلى مكاتب الاقتراع لاختيار ممثليها في الغرفة السفلى للبرلمان الجديد، أملا في تمثيل نوعي بالمجلس الشعبي الوطني، وحمل انشغالاتهم للجهات الوصية، بما يساهم في تحسين معيشتهم ويومياتهم نحو أفضل، وليكونوا الصوت الصادح تحت قبة الهيئة التشريعية.
قدمت الحاجة خديجة لمقشر، المنحدرة من بلدية ابن زياد (30 كلم شمال غرب قسنطينة) والتي تبلغ من العمر 107 سنوات، درسا في المواطنة والوفاء للوطن بعد أن حرصت على المشاركة في تشريعيات 2 جويلية الجاري.
ووصلت هذه المعمرة إلى مركز الاقتراع الشهيد المسعودي، ببلدية ابن زياد مساء متحدية الإرهاق والتعب، مرفقة بأفراد من عائلتها، لتؤدي واجبها الانتخابي بنفسها، رافضة أن ينوب شخص آخر عنها. وقالت الحاجة خديجة، التي عايشت عديد محطات تاريخ الجزائر إن "التصويت أمانة"، مؤكدة أن "تقدم السن لا يمكنه أن يشكل عائقا أمام أداء الواجب الوطني".
ولقيت مشاركتها في الاستحقاق الانتخابي استحسانا كبيرا من طرف أعوان مركز الاقتراع والمواطنين الحاضرين بعين المكان، الذين أعربوا عن فخرهم بمثل هذه النماذج التي تجسد معنى التعلق بالوطن والمساهمة في بناء مستقبله.
وفي مشهد يعكس الإصرار وقوة الإرادة، أدلى الشاب جواد دحاوي، المنتمي إلى فئة ذوي الهمم (العجز البصري)، بصوته في الانتخابات التشريعية، ببلدية عين بن خليل بولاية النعامة، وسط أجواء اتسمت بالتنظيم والانضباط.
وجاءت مشاركة جواد، وهو شاب جامعي وناشط جمعوي، لتجدد حرصه على عدم تفويت أي موعد انتخابي، حيث أكد أن حضوره في هذا الاستحقاق يندرج ضمن قناعة راسخة بأهمية المشاركة السياسية، وإيمانه بدور البرلمان القادم في نقل انشغالات المواطنين، لاسيما ما يتعلق بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة. وأدلى بصوته بمركز الاقتراع بمتوسطة "عمارة جيلالي"، مرفوقا بوالده الذي تكفل بمساعدته على التنقل. وأوضح في هذا السياق أنه تابع خلال الحملة الانتخابية برامج مختلف المترشحين، واطلع على أولوياتهم، خاصة ما تعلق بالشباب، قبل أن يحسم خياره وفق ما يراه أقرب إلى تطلعاته وتطلعات فئته.
وبنبرة يملؤها التفاؤل، دعا جواد الشباب إلى الإقبال بقوة على صناديق الاقتراع والمساهمة في إنجاح هذا الموعد الوطني، مؤكدا أن الإعاقة لم تكن يوما حاجزا أمام ارتباطه بالوطن، بل على العكس، فقد ظل يعتبر أن حب الجزائر يشكل له بوصلة ورؤية تتجاوز حدود فقدان البصر.
من جهته، تحدى المجاهد محمد بيطوش، البالغ من العمر 89 سنة، متاعبه الصحية وتوجه إلى مركز الاقتراع بمدينة البويرة لأداء واجبه الانتخابي في إطار الانتخابات التشريعية، مجددا تمسكه بالواجب الانتخابي الذي يعتبره "فعلا مواطنيا يمكن الجزائريين من بناء وطن مزدهر يسير على طريق الحداثة".
ولدى لقائه عند مدخل مكتب التصويت بالمدرسة الابتدائية "قنداز اعمر" بمدينة البويرة، أوضح بيطوش، الذي حارب الاستعمار الفرنسي في صفوف جيش التحرير الوطني بالولاية التاريخية الثالثة، أنه لا يزال يعاني من آثار الإصابات التي تعرض لها خلال مواجهات مع قوات الاحتلال في ذراع الميزان (تيزي وزو) وتبسة وبوسعادة. وقال "لا أزال إلى يومنا هذا أحمل شظايا قنابل في رأسي، وقد خضعت لسبع عمليات جراحية للعلاج. وأنا فخور بحضوري إلى مكتب التصويت للإدلاء بصوتي والمساهمة في بناء وطني العزيز".
بدورها، لم تتخلف المجاهدة الحاجة فاطمة بن مشرنن، البالغة من العمر 88 سنة، عن أي موعد انتخابي منذ استرجاع السيادة الوطنية ومنذ ذلك التاريخ، ظل صندوق الاقتراع بالنسبة إليها امتدادا طبيعيا لمسيرة نضال بدأت في جبال تلمسان، حين التحقت بالثورة وهي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها.
وتستقبل الحاجة فاطمة كل استحقاق انتخابي بالروح نفسها التي رافقت أول تصويت قبل ستة عقود من الزمن، مؤكدة أن "الوفاء للشهداء لا يكون فقط باستذكارهم، بل أيضا بحفظ الأمانة التي تركوها للأجيال، وفي مقدمتها المشاركة في بناء الجزائر المنتصرة". ورغم ما تكبدته من آلام الجراح والسجن، لا تحمل الحاجة فاطمة في حديثها سوى كلمات الأمل والدعاء للجزائر، فكلما استرجعت ذكرياتها رفعت يديها بالدعاء أن يحفظ الله الوطن الذي افتداه ملايين الشهداء والمجاهدين بدمائهم، مؤكدة أن الجزائر تستحق من أبنائها مواصلة البناء بنفس الروح التي صنعت الاستقلال.
وتبدو المجاهدة، وهي تستحضر محطات حياتها، أكثر وعيا بقيمة الحرية والسلام ووحدة الوطن. فبالنسبة إليها، لم يكن الاستقلال نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية جماعية لصون الوطن وتعزيز استقراره وتقدمه، وهي مسؤولية ترى أن كل مواطن معني بالإسهام فيها من موقعه.
وتؤمن الحاجة فاطمة بأن المشاركة في الانتخابات ليست فقط حق دستوري فحسب، بل هي واجب وطني ورسالة وفاء لمن ضحوا من أجل أن يكون للجزائريين وطن حر يختارون فيه مستقبلهم بإرادتهم. لذلك، لم تتخلف يوما عن أي استحقاق انتخابي، معتبرة أن كل صوت يودع في صندوق الاقتراع هو تعبير عن الثقة في مستقبل الجزائر.
وبابتسامة يملؤها التفاؤل، تختصر المجاهدة فلسفة حياتها في كلمات بسيطة عميقة الدلالة: ‘’أصوت لأنني قمت بواجبي بالأمس، وأواصل واجبي اليوم. أصوت تكريما لتضحيات الشهداء، ومن أجل أبنائي وأحفادي، ومن أجل جزائر تبقى، بإذن الله، أفضل مع كل يوم جديد".
وبملامح ينبعث منها الحماس والاعتزاز، وقف الناخب أمين (20 سنة)، طالب بجامعة "جيلالي اليابس" لسيدي بلعباس، أمام صندوق الاقتراع بمركز التصويت "ابن رشد" بوسط المدينة، حاملا ورقة تصويته في لحظة شكلت بالنسبة له محطة فارقة، باعتبارها خطوة أولى للانخراط، بوعي في المسار السياسي، وأداء واجبه لانتخاب نواب المجلس الشعبي الوطني.
ويعد أمين واحدا من بين 4970 ناخب جديد تم تسجيلهم ضمن الهيئة الناخبة بولاية سيدي بلعباس، عقب عملية المراجعة الاستثنائية الأخيرة للقوائم الانتخابية. وبالنسبة إليه، لا يعتبر هذا اليوم مجرد موعد انتخابي، بل مناسبة لتجسيد حسه المدني.
وقال أمين أن "ممارسة حقي الانتخابي، تمنحني الإحساس بالمشاركة الفعلية في رسم مستقبل بلدي"، مضيفا بقوله "إن صوتي ليس مجرد ورقة توضع في الصندوق، بل هو مسؤولية والتزام تجاه ولايتي ويحمل تطلعات الشباب من أجل برلمان قوي يعكس إرادة المواطنين".
ولم تخل تجربة هذا الناخب الشاب من ارتياح للتنظيم المحكم الذي رافق العملية الانتخابية من طرف المؤطرين، مع الاستفادة بمناسبة هذا الاستحقاق من خدمات النقل المجاني التي وفرتها المؤسسة العمومية للنقل الحضري وشبه الحضري، والتي سخرت كامل أسطولها لتسهيل تنقل المواطنين نحو مراكز التصويت عبر مختلف بلديات الولاية.
وبخطوات متزنة كلها أمل وحماس تقدمت الشابة مريم (18 سنة) القاطنة ببلدية أنسيغة بولاية خنشلة لأول مرة نحو مكتب التصويت بالمركز الانتخابي "لشخب بشير"، بذات الجماعة المحلية، لأداء واجبها الانتخابي بمناسبة التشريعيات لتصنع بذلك مشهدا يعكس وعي الجيل الجديد بمسؤوليته تجاه مستقبل البلاد. واعتبرت هذه التجربة "منعطفا هاما" في حياتها كمواطنة، حيث قالت وعلامات الفخر بادية على وجهها، بمناسبة مشاركتها في هذه التشريعيات، "إنها المرة الأولى التي أمارس فيها حقي الانتخابي، حيث شعرت بإحساس استثنائي ومسؤولية كبيرة وأنا أضع الورقة في الصندوق، لقد أدركت اليوم أنه بصوتي بإمكاني أن أساهم فعليا في رسم ملامح الغد".
ولم تفوت ابنة بلدية أنسيغة الفرصة لتوجيه رسالة قوية ومفعمة بالطاقة الإيجابية إلى الشباب الجزائري دعتهم من خلالها إلى "التوجه إلى مكاتب التصويت وعدم تفويت هذا الموعد الوطني الهام".
وشددت مريم، بلغة فيها كثير من النضج، على أن "المشاركة تصنع الفارق"، مردفة بالقول "إن الانتخاب ليس مجرد واجب وطني فحسب، بل هو فرصتنا لاختيار من ينقل انشغالاتنا عبر قبة البرلمان ويساهم في تحقيق تطلعاتنا"..