ثمّن التوجيهات الصارمة لرئيس الجمهورية لحماية المال العام.. تيغرسي:

التأسيس لمرحلة جديدة من الرقابة الاقتصادية

التأسيس لمرحلة جديدة من الرقابة الاقتصادية
الخبير الاقتصادي، هواري تيغرسي
  • 118
شريفة عابد شريفة عابد

أكد الخبير الاقتصادي، هواري تيغرسي، أن كشف المعالجة الرقمية الأخيرة لطلبات الاستيراد عن محاولات لاستنزاف 130 مليار دولار من الخزينة العمومية، يؤسس لمرحلة جديدة من الرقابة عنوانها الأبرز "البيانات قبل الوثائق والتحليل قبل القرار"، مبرزا أهمية إعادة النّظر في وظيفة البرنامج التقديري للاستيراد وتحويله إلى منظومة وطنية للإنذار المبكر والذكاء الاقتصادي، تجمع البيانات وتحلل المخاطر وتتابع العملية من بدايتها إلى نهايتها، على أن لا تضع المتعامل الجاد في خانة المتهم.

أوضح تيغرسي، في تصريح لـ"المساء" أن العملية التي كشفت عن طلبات استيراد مشبوهة قدمها عدد كبير من المتعاملين محدودي العمالة، تطرح أسئلة جدية حول مدى تناسب حجم الطلبات مع القدرات الاقتصادية الفعلية لأصحابه، مثمّنا التوجيهات الصارمة التي أسداها السيّد رئيس الجمهورية، لاتخاذ الإجراءات المناسبة ضد أصحاب التصريحات الكاذبة حماية للاقتصاد الوطني والمال العام. وأشار إلى أن الرقم الكبير لا يعني بالضرورة وجود مخالفة، لكنه "يمثل إشارة خطر تستوجب التدقيق والتحقق"، لاسيما عندما تكون قيمة الطلبات بعيدة بصورة لافتة عن حجم المؤسسة ونشاطها وإمكاناتها.

كما أثنى الخبير، على لجوء حراس المال العام من قطاعات وزارية ومصالح المالية إلى “الرقمنة”، لأنها تكشف ـ حسبه ـ ما لا تراه الرقابة التقليدية، مشيرا إلى أن أهمية هذه العملية لا تكمن فقط في الأرقام التي أبانت عنها، وإنما في الطريقة التي تم بها الوصول إلى مؤشرات الخطر، "كون المنظومة الرقمية تستطيع أن تجمع معلومات من مصادر مختلفة، وتقارن بين عدد العمال والتصريحات الاجتماعية ونشاط المؤسسة وموقعها وبرامج الاستيراد وسوابقها وغيرها من المعطيات، ثم تبحث عن التناقضات والأنماط غير الطبيعية".

وأضاف “هنا تظهر القيمة الحقيقية للرقمنة، حيث أن الملف الذي يبدو سليما عندما يقرأ منفردا، قد يصبح غير منطقي عندما يوضع داخل شبكة واسعة من البيانات.. والتطابق في الوثائق أو تشابه المعطيات، أو تسجيل عدة مؤسسات في موقع واحد أو وجود طلبات استيراد لا تتناسب مع حجم النشاط، كلها مؤشرات يمكن للأنظمة الرقمية اكتشافها بسرعة أكبر من الرقابة اليدوية التقليدية".

وحرص محدثنا، على التأكيد على أن المتعامل الصغير ليس متهما تلقائيا، ومع ذلك يجب ـ حسبه ـ التعامل مع هذه المؤشرات بحذر شديد، تقديرا منه أن عدد العمال وحده لا يمكن أن يكون معيارًا للحكم على شرعية أو جدوى الاستيراد، “لأن هناك مؤسسات صغيرة من حيث عدد الموظفين، لكنها تملك تكنولوجيا متطورة وتستورد تجهيزات مرتفعة القيمة، أو تعمل في نشاط ذي قيمة مضافة عالية”.

وبرأي تيغرسي، فإن المطلوب ليس بناء منظومة تعاقب المؤسسات الصغيرة، وإنما بناء نظام ذكي لتقييم المخاطر لتصبح الرقابة أكثر عدالة، ولا يتحول التشدد ضد المتلاعبين إلى عقوبة جماعية للمستوردين الجادين، داعيا في هذا الصدد إلى إعادة النظر في وظيفة البرنامج التقديري للاستيراد، لتحويله من وسيلة للتعرّف مسبقا على احتياجات المتعاملين في الاستيراد، إلى أداة أوسع تجعل منه "رادارا" اقتصاديا يرصد المخاطر ويتنبأ بالاختلالات قبل وقوعها، كما يتعيّن ـ حسبه ـ أن تبدأ الرقابة الحقيقية بعد وصول البضاعة، "فإذا استوردت مؤسسة كمية كبيرة من المواد الأولية تستطيع الدولة لاحقًا معرفة أين ذهبت هذه المواد وما حجم الإنتاج النّاتج عنها وما تم بيعه، وما بقي في المخزون، وما القيمة المضافة التي خلقتها العملية”، ليصبح بالتالي البرنامج التقديري للاستيراد منظومة متكاملة تضمن رقابة قبل الاستيراد، ومتابعة أثناء العملية، ثم تقييم بعد الاستيراد، "وعندما يصبح الاستيراد مرتبطا بنتائجه الاقتصادية، يصبح من الصعب استعماله كغطاء لتحويل الموارد إلى نشاطات لا تخدم الاقتصاد الحقيقي".

وأبرز تيغرسي، أهمية ربط البيانات ذات الصلة بالتجارة الخارجية بصورة أكثر تكاملا، بما يسمح بمقارنة بيانات السجل التجاري والتصريحات الاجتماعية والجبائية والجمارك والبنوك والإنتاج والمخزون وبرامج الاستيراد بعيدا عن البيروقراطية، مع استغلال الذكاء الاصطناعي كأداة إنذار مبكر لتحديد الأنماط غير المعتادة، "لننتقل بذلك من نموذج اكتشاف المشكلة ثم التدخل إلى نموذج للتدخل قبل أن تحول المشكلة إلى خسارة".