الذكرى المزدوجة لـ20 أوت تحوّل من الإيمان بالقضية إلى الفعل التاريخي
الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى الثورة المنظمة
- 203
مليكة. خ
❊ عيسى قاسمي: مؤتمر الصومام ملأ فراغا استراتيجيا للثورة
❊ السد: الانتقال من المبادرة الثورية إلى بناء المؤسسات وآليات القيادة
أكد المجاهد عيسى قاسمي أن تاريخ 20أوت 1956، يمثل بالنسبة للثورة التحريرية محطة من المحطات الحاسمة التي طبعت تاريخها، كما أن انعقاد مؤتمر الصومام في السنة الأولى من الثورة، جاء في الوقت الذي كانت فيه مختلف مناطق البلاد تكافح دون تنسيق و بدون لقاء المسؤولين.
قال المجاهد قاسمي في اتصال مع "المساء" إن عبقرية الثوار برزت بتنظيمهم اجتماعا في وادي الصومام، حيث استطاعوا لمدة 15 يوما أن يخرجوا بميثاق الثورة التي سطرت ورقة طريق وايديولوجية الثورة ما يجعل المؤتمر بمثابة انطلاقة جديدة للنضال، كونه ملأ فراغا سياسيا، ايديولوجيا، تخطيطيا واستراتيجيا للكفاح المظفر. كما أشار إلى أن الرمزية الكبيرة التي يشكلها هذا المؤتمر هو انعقاده في الوقت الذي طوق فيه الجيش الفرنسي المنطقة بـ460 ألف جندي دون احتساب الحركى، حيث نجح مسؤولو الثورة الذين حضروا المؤتمر بـ 1500 مجاهد و1500 من المواطنين رغم ذلك في الحفاظ على السرية، ما يعد انتصارا مهما لجيش التحرير الوطني .
وأوضح قاسمي أن الرمزية الأخرى التي يمكن تسجيلها هو أن المجاهدين كانوا يكافحون بوسائل قليلة وبتنظيم غير كامل، ما جعل الثورة بعد مؤتمر الصومام تنطلق إلى الأمام بوسائل أخرى وأفكار أخرى وبورقة طريق واضحة للوصول إلى الأهداف المسطرة في بيان نوفمبر والمتمثلة في استرجاع السيادة الوطنية ووحدة الشعب غير منقوصة.
أما البروفيسور المختص في التاريخ نورالدين السد، فقد أوضح في اتصال مع "المساء" أن ذكرى 20 أوت ليست مجرد محطة في الذاكرة الوطنية، ولا مناسبة لاستعادة حدثين تاريخيين فحسب، بل إنها من أكثر المحطات كثافة وفعالية وتأثيرا في التاريخ السياسي والاستراتيجي للثورة الجزائرية، كونها تختزل في مسارها معنى المبادرة وفك الحصار على منطقة الأوراس ووحدة الشعب وتنظيم الثورة، وتحويل الإيمان بالقضية إلى فعل تاريخي قادر على تغيير موازين القوى.
واعتبر السد أن هجومات الشمال القسنطيني، مثّلت لحظة انتقال نوعية في الثورة التي خرجت من نطاق المبادرات المتفرقة إلى فعل شعبي واسع، أثبت أن الثورة ليست حركة نخبة محدودة، وإنما قضية شعب بأكمله، وكان الهدف يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى كسر محاولات عزل الثورة عن محيطها الشعبي. كما أشار إلى أن انعقاد مؤتمر الصومام، مثّل الوجه الآخر للثورة من خلال الانتقال من قوة الفعل إلى قوة التنظيم، ومن المبادرة الثورية إلى بناء المؤسسات والهياكل وآليات القيادة والتنسيق، ولذلك فإن أهمية الصومام لا تكمن فقط في القرارات التي اتخذها، وإنما في كونه عبر عن وعي الثورة بحاجتها إلى تنظيم نفسها.
وبخصوص الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى جيل اليوم، قال البروفيسور المختص في التاريخ، إن الوطنية ليست مجرد شعور وجداني تجاه الماضي، وإنما هي مسؤولية تجاه المستقبل، كما ان الوحدة الوطنية ليست شعارا موسميا، وإنما هي شرط من شروط القوة الوطنية، في حين اشار إلى أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بامتلاك القرار السياسي والعسكري، وإنما أصبحت تقاس أيضا بامتلاك المعرفة والتكنولوجيا والغذاء والطاقة والاقتصاد والقدرة على إنتاج الثروة.
كما أضاف أن الجزائر التي تجاوزت مرحلة استرجاع السيادة، ثم واجهت محطات صعبة للحفاظ على الدولة ووحدة المجتمع، تدخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ القوة الوطنية الشاملة وبناء اقتصاد أكثر تنوعا، وتعزيز التنمية، وتوسيع فرص الشباب، وتثبيت العدالة الاجتماعية، وتقوية حضور الجزائر إقليميا ودوليا، مشيرا إلى أن هذه المعركة الجديدة تحتاج إلى الروح نفسها التي صنعت الثورة، ولكن بأدوات العصر.