زيارة سانشيز للجزائر تأتي في ظل إعادة رسم خرائط الطاقة والاستثمار.. بريش لـ"لمساء":
الانتقال إلى بناء شراكة استراتيجية راسخة ومستدامة
- 179
زين الدين زديغة
قال الخبير الاقتصادي، عبد القادر بريش، إن زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إلى الجزائر تشكل محطة سياسية واقتصادية ذات دلالات تتجاوز إطارها السياسي والدبلوماسي، باعتبارها تأتي في ظل تحولات إقليمية ودولية تشهد إعادة تشكيل موازين القوة وإعادة رسم خرائط الطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية.
اعتبر بريش، في تصريح لـ"المساء" أن العلاقات الجزائرية ـ الإسبانية تبرز بوصفها نموذجا لعلاقة يمكن أن تنتقل من منطق إدارة المصالح الآنية إلى بناء شراكة استراتيجية أكثر رسوخا واستدامة، تستند إلى القرب الجغرافي والروابط التاريخية والحضارية، وكذا تشابك المصالح الاقتصادية ووحدة التحديات الأمنية في الفضاء المتوسطي.
وأوضح أن أهم ما يميز هذه الزيارة أنها تأتي بعد مرحلة استعاد فيها البلدان ديناميكية الحوار السياسي، بما يؤكد أن ما عرفته العلاقات بينهما سنة 2022، لم يكن سوى محطة عابرة فرضتها ظروف سياسية استثنائية، قبل أن يدرك الطرفان أن اعتبارات الجغرافيا وحجم المصالح المتبادلة، وضرورة الحفاظ على الاستقرار في غرب المتوسط، تظل عوامل أكثر رسوخا واستدامة من أي تباين ظرفي.
وأفاد الخبير الاقتصادي، أن التقارب السياسي بين البلدين لا يمثل غاية في حد ذاته، بل يشكل عاملا مؤسسيا داعما لتوسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز الشراكات الاستثمارية وبناء مشاريع استراتيجية قادرة على الصمود أمام التحولات الإقليمية والدولية، لافتا إلى أن العلاقات الثنائية لم تعد تقتصر على تبادل السلع والخدمات، بل أصبحت ترتبط بقضايا أكثر عمقا تشمل أمن الطاقة والأمن البحري وسلاسل الإمداد والاستثمار الصناعي والانتقال الطاقوي والأمن الاقتصادي.
وأكد المتحدث، أن قراءة هذه الزيارة ينبغي أن تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر، لتندرج ضمن رؤية جيواقتصادية أوسع، ترى في التقارب السياسي مدخلا لبناء شراكة استراتيجية مستدامة، قوامها المصالح الاقتصادية المشتركة والتكامل الصناعي ونقل التكنولوجيا وتعزيز القدرة التنافسية للبلدين في فضاء متوسطي يشهد تحولات متسارعة.
ويرى أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط يظل عاملا حاسما لضمان استقرار الضفة الشمالية، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الأوروبي والإسباني على وجه الخصوص بالدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في محيطها الإقليمي، كما يمتد هذا التقاطع إلى منطقة الساحل الإفريقي، التي أصبحت تمثل إحدى أكثر بؤر التوتر الجيوسياسي في العالم. وضمن هذا المنحى تلتقي رؤية الجزائر وإسبانيا حول أهمية إعطاء الأولوية للحلول السياسية والتنموية ومعالجة الأسباب العميقة للأزمات، وفي مقدمتها ضعف التنمية وانتشار الفقر وتراجع مؤسسات الدولة، باعتبار أن المقاربات الأمنية وحدها أثبتت محدودية فعاليتها في تحقيق الاستقرار المستدام.
وبدوره وصف رئيس المنظمة الجزائرية للتجارة والاستثمار الاجتماعي، جابر بن سديرة، الذي نزل ضيفا على برنامج اقتصاد ملتيميديا، الزيارة بالفرصة السانحة لإعادة العلاقات والتعاملات لاسيما في الجانب الاقتصادي، علما أن المستثمرين الإسبان يشكلون دعامة هامة في مجال التبادلات التجارية بين البلدين، مشيرا إلى أهمية السوق الجزائرية لدى الإسبان مما جعل خمس غرف تجارية إسبانية تزور الجزائر تباعا بحثا عن التجارة والاستثمار.
بحث فرص جديدة للتعاون في إطار المنفعة المشتركة والاحترام المتبادل
الجزائر ـ إسبانيا.. إرادة قوية لدعم الشراكة متعددة الأبعاد
تجمع الجزائر وإسبانيا علاقات متجذرة، في ظل وجود إرادة سياسية قوية لتوطيد هذه العلاقات وتعزيز الشراكة متعددة الأبعاد على أساس الثقة والمنفعة المشتركة والاحترام المتبادل بما يخدم مصلحة البلدين الصديقين.
في هذا الإطار، تعد زيارة العمل والصداقة التي قام بها أمس، رئيس حكومة مملكة إسبانيا، السيد بيدرو سانشيز إلى الجزائر ولقائه برئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون فرصة لتأكيد الطابع الاستراتيجي المميز لعلاقات الصداقة والتعاون بين البلدين ودراسة سبل الارتقاء بها إلى مستويات أفضل، إلى جانب بحث فرص شراكة جديدة بالنظر للإمكانيات التي يزخر بها البلدان. كما تعد الزيارة سانحة لتبادل وجهات النظر حول أبرز القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك ومواصلة سنّة التشاور والحوار التي دأب عليها الجانبان.
وكان رئيس الجمهورية قد نوه خلال إشرافه شهر جوان الفارط، على افتتاح فعاليات الطبعة الـ57 لمعرض الجزائر الدولي والتي شاركت فيه إسبانيا كضيف شرف، بمتانة العلاقات الثنائية بين الجزائر وإسبانيا، مؤكدا أنها ستنتقل إلى مرحلة جديدة. كما دعا المتعاملين الاقتصاديين للبلدين إلى الانتقال في إطار الشراكة الاقتصادية إلى مرحلة الإنتاج المشترك، لاسيما في مجال منشآت تحلية مياه البحر من خلال صناعة مكونات مصانع التحلية محليا ورفع نسب الإدماج في هذا القطاع.
ويحرص البلدان في كل مناسبة على التعبير عن تطلعهما المشترك للعمل من أجل تطوير وتعزيز علاقات التعاون الثنائي، خاصة وأن البلدين تجمعهما روابط الصداقة وحسن الجوار ويتقاسمان مبادئ مشتركة في قضايا الأمن والسلم والحوار لحل للنزاعات. وقد عرفت العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة حركية مكثفة تجلت في تبادل الزيارات والاجتماعات الثنائية على أعلى مستوى، إلى جانب تسجيل نمو في حجم المبادلات التجارية، ما يعكس الديناميكية التي تشهدها العلاقات الاقتصادية بين البلدين.