حرص رئاسي على جعل الثقافة في صلب الرؤية التنموية
الأوركسترا الفيلهارمونية لبنة في بناء القوّة الناعمة
- 117
نوال جاوت
شدد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أوّل أمس، على المكانة المتقدمة التي بات يحتلّها قطاع الثقافة والفنون ضمن أولويات الدولة، باعتباره رافداً أساسياً من روافد بناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية وترقية صورة الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي. وقد برز في هذا السياق تثمينه لمشروع إنشاء الأوركسترا الفيلهارمونية الدولية للجزائر، والذي يندرج ضمن رؤية شاملة تهدف إلى إرساء سياسة ثقافية مستدامة ومندمجة.
تعكس الإشادة الرئاسية بمشروع الأوركسترا الفيلهارمونية الدولية، إدراكاً عميقاً لأبعاده الثقافية والحضارية، حيث لا يُنظر إليه كمبادرة فنية معزولة، بل كمشروع هيكلي يهدف إلى الارتقاء بالممارسة الموسيقية الأكاديمية في الجزائر، واحتضان الكفاءات الوطنية داخل الوطن وخارجه، ضمن إطار مؤسّساتي منظّم يربط بين التكوين، الإنتاج والإشعاع الفني.
ويمثل هذا المشروع، في بعده الرمزي، رسالة واضحة مفادها أنّ الجزائر تسعى إلى تثبيت حضورها الثقافي على الساحة الدولية، من خلال لغة فنية كونية قادرة على التعبير عن عمقها الحضاري وتنوّعها الثقافي، بما يعزّز مكانتها كدولة ذات رصيد تاريخي وإبداعي معتبر، إذ وجّه الرئيس بالشروع التدريجي في تجسيد هذا "المشروع الطموح باستغلال الغرث الفني والمواهب والنخب من داخل الوطن وخارجه في هذا الاختصاص".
من المنتظر أن يُحدث مشروع الأوركسترا الفيلهارمونية الدولية، ديناميكية جديدة في المشهد الثقافي الوطني، سواء على مستوى التكوين أو التلقي. فمن جهة، يوفّر آفاقاً مهنية حقيقية لخريجي معاهد الموسيقى، ويساهم في رفع مستوى الأداء الاحترافي، ومن جهة أخرى، سيعمل على توسيع دائرة الجمهور، وترقية الذائقة الفنية، وتقريب العروض الموسيقية الرفيعة من مختلف فئات المجتمع. كما يندرج المشروع ضمن أدوات الدبلوماسية الثقافية، بما يسمح للجزائر بتعزيز قوتها الناعمة، والمشاركة الفاعلة في التبادلات الثقافية الدولية، على أسس من الندية والتكامل.
وفي انسجام تام مع هذا التوجّه، شدّد رئيس الجمهورية، على ضرورة إعادة بعث دار أوبرا الجزائر "بوعلام بسايح"، وضبط إطارها القانوني والتنظيمي، إلى جانب برمجة إنجاز قاعات عروض كبرى في العاصمة والمدن الكبرى. ويعكس هذا المسعى قناعة راسخة بأنّ تطوير الفعل الثقافي يقتضي توفير فضاءات عصرية تستجيب لمعايير العرض الفني الكبرى، وتسمح باستقطاب جمهور واسع، وتحويل الثقافة إلى عنصر فاعل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية فضلا عن إسهام هذه المنشآت في تنشيط الحركية الثقافية، وخلق فرص عمل، وتعزيز الجاذبية الثقافية للمدن، في إطار رؤية تنموية شاملة.
كما أولى الرئيس تبون أهمية خاصة لدعم وإعادة بعث معاهد الموسيقى عبر مختلف بلديات الوطن، في خطوة تعكس الحرص على بناء قاعدة تكوينية صلبة، تضمن استمرارية المشاريع الكبرى، وعلى رأسها الأوركسترا الفيلهارمونية الدولية. وذلك بغية تعميم التكوين الفني، واكتشاف المواهب في وقت مبكر، خاصة في المناطق الداخلية، وربطها بمسارات احترافية واضحة. حيث يمثّل هذا المسار رهاناً استراتيجياً على الشباب، وعلى الثقافة كوسيلة لبناء التوازن المجتمعي، وصون التراث الموسيقي الوطني، وتثمينه ضمن قوالب أكاديمية حديثة.
ولم يُغفل رئيس الجمهورية قطاع المسرح كـ"أحد أعمدة القوى الناعمة"، والذي يعدّ من الأسس التاريخية للفعل الثقافي في الجزائر، حيث أكّد على ضرورة إعادة بعث الحركية المسرحية وترقية أدائها، بما ينسجم مع مكانته كفضاء للتعبير الفني، والتنوير الفكري، وبناء الوعي الجماعي. ويعكس هذا الاهتمام إدراكاً رسمياً بأنّ المسرح ليس مجرّد نشاط ترفيهي، بل أداة ثقافية وتربوية ذات تأثير مباشر في المجتمع، وقادرة على مرافقة التحوّلات الاجتماعية وترسيخ القيم الوطنية.
ومن شأن هذه القرار تمكين المؤسّسات المسرحية من أداء دورها كاملاً، عبر تحسين شروط الإنتاج والعرض، وتشجيع النص المسرحي، ودعم الإبداع الركحي بمختلف تعبيراته، مع ضمان وصول العروض إلى جمهور أوسع، داخل المدن الكبرى وخارجها، بما يعزّز العدالة الثقافية ويكسر مركزية النشاط الفني. ناهيك عن إعادة الاعتبار للمسرح الجهوي، وتحويله إلى فضاء إنتاج فعلي، لا يقتصر دوره على البرمجة الموسمية، بل يمتدّ إلى التكوين، والتجريب، والانفتاح على التجارب الوطنية والدولية.
الأسرة الفنية بقسنطينة تشيد بتوجيهات رئيس الجمهورية
ديناميكية تجديد تشهدها الجزائر الجديدة
❊الجزائر جاهزة لاحتضان التظاهرات الفنية الوطنية والدولية
ثمنت الأسرة الفنية بقسنطينة التوجيهات التي أسداها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال ترؤسه أول أمس، اجتماعا لمجلس الوزراء، والرامية إلى بعث نهضة إبداعية وثقافية في الجزائر، حيث يتعلق الامر ببعث مشروع الأوركسترا الفيلهارمونية الدولية للجزائر واستحداث قاعات للعروض الكبرى (زينيت) وتفعيل دور المؤسسات الثقافية الكبرى وإنشاء معاهد للموسيقى .
رحب مدير المركب الثقافي أحمد باي "زينيت" بقسنطينة، زيد مكرم، في تصريح لوكالة الانباء الجزائرية بهذه التوجيهات التي تعد "تعزيزا للفعل الثقافي عبر الوطن" وتتيح "احتكاكا مباشرا بين الفنان والجمهور"، كما تضع الجزائر في "مصاف الدول الجاهزة لاحتضان التظاهرات الفنية الوطنية والدولية".
وبخصوص مشروع الأوركسترا الفيلهارمونية الدولية، اعتبر المتحدث أن ذلك سيسهم في إحياء الموسيقى السمفونية والجزائرية بروح عصرية تتماشى مع الوجه الحضاري للبلاد.
وقالت مديرة متحف الفنون والتعابير الثقافية التقليدية "قصر الحاج أحمد باي"، مريم قبايلية، أن مشروع استحداث الأوركسترا الفيلهارمونية الدولية للجزائر وإعادة بعث دار الأوبرا "لا يشكل مجرد واجهة فنية فحسب، بل يجسد ديناميكية التجديد التي تشهدها الجزائر الجديدة، والتي تضع الحفاظ على الإرث الحضاري وتطويره في صلب أولوياتها".
وبخصوص إعادة بعث النشاط المسرحي لما له من دور في تنشيط الحياة الثقافية وباعتباره أحد أعمدة القوى الناعمة، ثمن شمس الدين غرناوط مدير المسرح الجهوي محمد الطاهر الفرقاني"، هذا" المسعى الذي سيسهم في تعزيز مكانة المسرح كفضاء للتعبير الفني والثقافي ويفتح المجال أمام تجديد عروضه وتطوير برامجه لتواكب المتغيرات الثقافية والاجتماعية في الوطن". وأضاف أن دعم رئيس الجمهورية للنشاط المسرحي "يمنح نفسا جديدا للمسرحيين و يسهم في تصنيف المسرح كأحد أعمدة القوة الناعمة و يفرض على المؤسسات الثقافية تقديم محتوى يليق بسمعة الجزائر دوليا".
كما عبر من جهته الفنان أحمد بن خلاف عن تفاؤله الكبير بإعادة بعث ودعم معاهد الموسيقى على مستوى كل بلديات الوطن، لافتا إلى أن هذه الخطوة تمثل "حجر الزاوية في بناء جيل فني راق"، مشيرا إلى أن تقريب مؤسسات التكوين الموسيقي من المواهب "سيسمح باكتشاف الطاقات الإبداعية والارتقاء بالمستوى الفني.
وأجمعت الأسرة الفنية بقسنطينة على جاهزيتها الكاملة للانخراط في تجسيد هذه الرؤية الطموحة، معتبرة أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة تاريخية لتأسيس نهضة ثقافية شاملة تعيد للفن مكانته الريادية في المجتمع.