جعل من كلّ شخصية يؤدّيها جزءًا من روحه
“الفارس المنفرد” سيد أحمد أقومي يترجّل
- 306
نوال جاوت
في هدوء يليق برجل عاش حياته كلّها على الخشبة وأمام الكاميرا، رحل عن عالمنا الفنان القدير سيد أحمد أقومي عن عمر ناهز 86 عامًا، تاركًا خلفه مسيرة فنية استثنائية امتدّت لأكثر من ستة عقود، جعلته بلا منازع أحد أعظم رموز المسرح والسينما في الجزائر، وأحد الأسماء الخالدة في وجدان أجيال متعاقبة من الجزائريين. يرحل “الفارس المنفرد” كما اختار أن يُدعى، لكنّ “قنديله” الفني يبقى مضيئًا في ذاكرة الجزائريين، شاهدًا على مسيرة رجل أحبّ الفن، وأخلص له حتى آخر نفس، ليبقى اسمه محفورًا كأيقونة لا تُنازَع في الثقافة الجزائرية، وكمرجعية لا جدال فيها في تاريخ الفنَّين الرابع والسابع في الجزائر.
رحيله ليس مجرّد نبأ عابر يُنشر ويُنسى، بل هو إغلاق لفصل كامل من تاريخ الفنين الرابع والسابع، فصلٍ كتبه هذا الرجل بصوته الجهوري، وحضوره الطاغي، وقدرته النادرة على التنقّل بين الأدوار؛ من البطل إلى الشرير، ومن الجدّية إلى السخرية دون أن يفقد يومًا مصداقيته أمام الجمهور.
وُلد أحمد مزيان في 5 أكتوبر 1940 ببولوغين، إحدى ضواحي الجزائر العاصمة. وانطلق في مشواره الفني منذ ستينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه الجزائر تبني هويتها الثقافية على أنقاض الاستعمار. بدأ أقومي مسيرته في سرّية عن والده، الذي كان ينظر بعين الريبة إلى المهن الفنية، فاختار لنفسه في الإذاعة لقب “أقومي” الذي يعني بالأمازيغية “الفارس المنفرد” ؛ حرصًا منه على تجنّب ذكر اسم العائلة على الأثير. كانت خطواته الأولى في الإذاعة، وعلى خشبة المسرح، ولم يكتشف والده أنّه ممثل إلاّ حين شاهده صدفةً في مسرحية على شاشة التلفزيون. وفي غمرة غضبه التزم الأب صمتًا باردًا تجاه ابنه استمرّ عقدين من الزمن، قبل أن يتصالحا أخيرًا؛ في قصّة إنسانية، عكست ثمن الشغف الفني، وصدق الالتزام به.
لم يكن أقومي مجرّد ممثل يؤدّي أدوارًا، بل كان شاهدًا على تحوّلات بلاده. عاش بحسّه الفني كلّ محطّة من محطّات الجزائر المستقلّة. وترجمها إبداعًا على الركح والشاشة. تألّق على خشبة المسرح من خلال مشاركته في أعمال خالدة لكتّاب عالميين وجزائريين كبار؛ من كالديرون دي لا باركا، وبرتولت بريشت، وشون أوكيسي، وويليام شكسبير، إلى كاتب ياسين، ومولود معمري، ومحمد ديب، ومحمد فارح. وأعار صوته لشخصيات أدبية وثقافية بارزة؛ كجان سيناك، ومولود فرعون، ورشيد ميموني، وبن عمر مدين، وكاتب ياسين في “نجمة” ، ومنحه إتقانه التام للغتين العربية والفرنسية ثقةً كبيرة على الركح، وكان أداؤه محطّ إعجاب الجمهور وهو يصرخ ويتوهّج وينفجر غضبًا، جاعلاً من كل شخصية يؤدّيها جزءًا من روحه.
وفي محطّة أخيرة من مسيرته، صعد على الخشبة في كيبيك بكندا، في مسرحية “عقد هيلين” لكارول فريشيت، وفي “السقوط” لبيليانا سربليانوفيتش، حيث جسّد شخصية سلوبودان ميلوشيفيتش. وامتدّ عطاؤه إلى السينما والتلفزيون، حيث شارك في نحو خمسين عملاً طويلاً، من بينها فيلم “زاد” لكوستا غافراس الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 1969. وهي الجائزة الوحيدة التي مُنحت للسينما العربية حتى اليوم، إضافة إلى “الخارجون عن القانون” لتوفيق فارس، و"حصاد من الفولاذ” لغوتي بن دودوش، و"طاحونة السيد فابر” لأحمد راشدي، و"ليلى، عقلي” للتونسي الطيب لوحيشي، و"كان يا ما كان في الوادي” لجمال بن صالح، و"موريتوري” لعكاشة توايتة، و"لا يُقهرون” للفرنسي فريدريك بيرت. كما ظهر اسمه في جينيريك فيلمَي “منطقة محرّمة” لأحمد لعلام (1972)، و”الكحلة والبيضا” لعبد الرحمن بوقرموح. وعلى الشاشة الصغيرة برز اسمه في أعمال راسخة في الذاكرة الجماعية، على غرار “موعد مع القدر”، والمسلسل الرمضاني “الأرض”، و"يما”، قبل أن يحفر اسمه بعمق في وجدان الأجيال الجديدة، من خلال دوره اللافت شخصية “الوزير قنديل” في المسلسل الساخر “عاشور العاشر” للمخرج جعفر قاسم، الذي جعله اسمًا مألوفًا في كلّ بيت جزائري صغارًا وكبارًا، وأثبت من خلاله أنّ موهبته الكوميدية لا تقلّ ثراءً عن حضوره التراجيدي والدرامي.
ولم يقتصر عطاء الراحل على التمثيل فحسب، بل امتدّ إلى الإدارة الثقافية، إذ تولّى إدارة دار الثقافة، ومسرح مدينة تيزي وزو، ثم إدارة دار الثقافة بعنابة وقسنطينة بين عامي 1974 و1975، ومركز الثقافة والإعلام مشرفًا على قاعتَي “الأطلس” و"الموقار” بالجزائر العاصمة، قبل أن يتولّى مسؤولية إدارة المسرح الوطني الجزائري، مؤكّدًا أنّ التزامه بالفن لم يكن مجرّد موهبة فردية، بل رسالة ومسؤولية تجاه الحركة الثقافية الوطنية بأكملها.
ولم تتأخّر التكريمات في الاحتفاء بعبقرية هذا الفنان متعدّد المواهب؛ فقد حصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي عام 1967 عن دوره في “معركة الجزائر” . وكرّر هذا الإنجاز في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1975 عن دوره في “ريح الأوراس” . كما نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان فالنسيا (موسترا)، عن فيلم “قائلو الحقيقة” لكريم طريدية. وتقديرًا لهذه المسيرة الاستثنائية، حملت الطبعة السادس عشرة للمهرجان الوطني للمسرح المحترف التي نُظِّمت من 22 إلى 31 ديسمبر 2023، اسم سيد أحمد أقومي؛ تكريمًا لمكانته؛ بصفته الممثل المسرحي، والسينمائي، والتلفزيوني، والمثقّف الذي واكب مختلف مراحل الحركة الفنية في الجزائر، وبرز اسمه في الوسط الثقافي داخل الوطن وخارجه طيلة أكثر من خمسة عقود، محافظًا فيها على نجوميته بفضل أعمال متنوّعة، تركت بصمتها في الذاكرة الجماعية. وبهذا الرحيل تفقد الجزائر أحد أعمدتها الفنية، وأحد الوجوه التي رافقت الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة.
وقد نعى الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة الذي كان الفقيد عضوًا فيه، الراحل في بيان، أشاد فيه بمسيرته الإبداعية الحافلة، مؤكّدًا أنّه كان “أحد أبرز أعلام المسرح والسينما الجزائرية”، وأنّ إسهاماته “أثرت المشهد الثقافي والفني الوطني” على مدى عقود طويلة. وقد تجاوز تأثيره الحدود الوطنية، مسهمًا في تعزيز الشهرة العالمية للسينما والمسرح الجزائريين، محترَمًا من أقرانه، ومحبوبًا من جمهوره.