"شايب دزاير" تستقبل المؤرخ عمار بلخوجة
‘’محرقة الظهرة" "غيضٌ من فيض" سجل جرائم الاستعمار
- 2335
مريم. ن
نشط المؤرخ عمار بلخوجة، مؤخرا، بمكتبة "شايب دزاير" بالعاصمة، ندوة تاريخية بعنوان "محرقة الظهرة"، استعرض فيها تفاصيل إبادة دوار ولاد رياح حرقا داخل مغارة، راح ضحيتها أكثر من ألف نسمة بين رجال وأطفال وشيوخ ونساء بدوابهم ومتاعهم. كما عرج المحاضر على جرائم أخرى من بداية دخول الاستعمار الفرنسي، وصولا إلى الثورة التحريرية، التي بقيت وصمة عار في جبين فرنسا إلى أبد الآبدين.
أكد الأستاذ بلخوجة أن المستعمر انتهج سياسة القتل لترهيب الشعب الجزائري، فكان يقطع الرؤوس، ويعلقها على السهام، ليواجه بها السكان، ويقول: "اُنظروا أيها العرب، هذا مصير من لا يرضخ لفرنسا"، ليشير إلى أن سياسة قطع الرؤوس استمرت حتى ثورة التحرير، من خلال قطع رؤوس المناضلين بالمقصلة ابتداء من الشهيد أحمد زبانا رحمه الله، علما أن أغلب من نالتهم أحكام الإعدام كانوا من الشباب، مؤكدا أن بعضهم خضعوا لتجارب طبية؛ كأخذ قرنية العين، تماما كما حصل في سنة 1835، عندما جُمعت عظام الجزائريين من المقابر لاستغلالها في شق الطرقات والمنشآت. كما أُرسلت إلى مصانع مارسيليا لدمجها مع السكر لإعطائه اللون الأبيض، وعندما علم الأمير عبد القادر أعطى أوامره للقادة كي لا يشتروا السكّر من الفرنسيين.
وبالنسبة لمحرقة أولاد رياح، أشار المتحدث إلى أن الضابط بيليسي تلقّى أمرا بقمع منطقة الشلف تزامنا وانتفاضة بومعزة، لتستهدف ناحية عشعاشة. وعندما رأى سكانها زحف 4 آلاف عسكري فرنسي دخلوا مغارة أولاد رياح لتحميهم، لكن الإبادة كانت في انتظارهم، علما أن بيجو كتب لقائد هذه العملية قائلا له: "عليك بالتدخل كما فعل كافينياك قبلك في 11 جوان 1844، وهو الذي كان يردد "كلما مر حصاني بمكان في الجزائر، فإن الزرع لا ينبت فيه". وكان القتل يخضع لمبدئهم القائل "أحرقوا الثعالب"، وهكذا تم استعمال الكبريت، وتصاعد اللهب. وكان الفرنسيون يشربون القهوة في أريحية، ينتظرون توقف الصراخ ليهجموا على المغارة، وكان ذلك بعد 36 ساعة انتظار.
وتوقف المحاضر عند جرائم أخرى وقّعها سفاحو المستعمر الفرنسي، منهم ساتارنو الذي أغلق على قبيلة بأكملها، وشيّد فوقها البنيان لتُطمس تحت الأنقاض. وهنا أكد الأستاذ بلخوجة أنه لايزال يبحث عن الجرائم المقترفة في عدة مناطق من الجزائر، منها الأوراس وتبسة ومنطقة القبائل والصحراء وغيرها، علما أن بعض معالم هذه الجرائم مسجلة في الذاكرة الشعبية. وقال: "أنا أبحث منذ 30 سنة في هذا التاريخ. وينبغي اليوم أن نلتزم كجزائريين أمام هذا الماضي، الذي يعكس هويتنا وعزتنا وحبنا للجزائر، وأن لا يكون مجرد أمر ظرفي فرضته تصريحات ماكرون الرعناء".
وبالنسبة للتعذيب والبطش المرتبط بالمستعمر الفرنسي، أوضح المتحدث أنه يدخل في صميم تكوين الجندي الفرنسي، المعروف بغياب الضمير والهمجية المستمدة من تكوينه، المبني على النظريات العنصرية، إلى درجة أن بعض السياسيين الفرنسيين طالبوا باستحداث وزارة للتعذيب، وكان بمنطقة أرزيو بوهران وبسكيكدة، مدرستان في هذا التكوين.
وتمنّى المتحدث أن تلتفت السينما إلى هذا الحدث، وتوثقه بعدما تعاون هو مع فنان تشكيلي وشاعر لتوثيق هذا التاريخ. كما ألحّ على حفظ هذه الذاكرة الوطنية. وقد عبّر، بالمناسبة، عن احتجاجه على شارع في العاصمة يحمل اسم فيكتور هوجو، معتبرا إياه مجرما، ساهم في احتلال الجزائر؛ فقد كان يحث بيجو على مواصلة مهمة الاستعمار في الجزائر، ويشجع على القتل، وكان صديقا للمعمرين، ساندهم في سياسة الأرض المحروقة، وكذلك الحال مع بلزاك ولافونتان وغيرهم. ورأى المتحدث أن أحسن رد على المستعمر اليوم، هو توثيق التاريخ، وكتابته بكل الوقائع والأفعال، ليبقى حيا في ذاكرة الأجيال. وواصل ضيف "لاناب" حديثه عن التعذيب قائلا إن بن خدة سمى الفرنسيين بمحترفي التعذيب، وكان ساستهم يعلمون ذلك؛ لذلك صوّت البرلمان الفرنسي بيمينه ويساره سنة 56، على "القوات الخاصة" لتقتل الجزائريين. كما استعملت من جهة أخرى سياسة الخداع والنفاق كما فعل المجرم "لاجنار" بسيدي قادة بمعسكر، حينما نصّب الولائم احتفالا بنصب تمثال الأمير، ليبين أنه كان صديقا لفرنسا، بينما العكس صحيح؛ لذلك قامت منظمة "لوس" السرية سنة 1949، بوضع قنبلة لتحطيمه لكنها لم تنفجر. والأمر تكرر اليوم من خلال اقتراح تمثال للأمير بأومبواز، بينما الحقيقة أن فرنسا سجنت الأمير وعاقبته بالبرد والجوع لمدة 5 سنوات، وهو الذي كان يسمي اللغة الفرنسية بلغة الخيانة، ولا يتعلمها؛ نكاية في هذا العدو الماكر.
وتميزت المناقشة بالثراء في الطرح من حضور مثقف من أجيال مختلفة، وفيها أوضح بلخوجة أن بعض المؤرخين الفرنسيين كانوا نزهاء، ووثقوا الجرائم، منهم "رفائيل برانش" في كتاب عن جرائم الجيش الفرنسي. كما أن هناك شهادات لجنود فرنسيين شهدوا أن النظام الاستعماري حوّلهم إلى وحوش، ومنهم من انتحر. وقال بلخوجة إنه نشط لقاء عن هذا التاريخ بإذاعة فرنسية، فذهل المذيع وقال إن الشعب الفرنسي، اليوم، لا يعرف هذا التاريخ الأسود لبلاده.