معرض “لمسات” برواق عائشة حداد
ومضات من ذكريات عاصمة الزيبان وما جاورها
- 428
مريم. ن
يعود الفنان التشكيلي فيصل بركات مجددا للعاصمة، حاملا معه لوحاته الزاهية بالألوان والنسائم العليلة، وتمتمة المروج زمن الربيع، ورقرقة المياه المتدفقة من دواليب السواقي والفوقارات، والكثير أيضا من المعالم التاريخية التي أصبح بعضها آيل لأن يكون مجرد ذكرى، بعدما نهشت هياكلها عوامل الزمن وعبثت بها يد الإنسان، ليقف الزائر منبهرا أمام المناظر التي لم تعتدها عينه، التي لوثتها المدن الصاخبة.
التقت “المساء” بالفنان فيصل بركات، بمعرضه المقام إلى غاية 12 جانفي الجاري برواق “عائشة حداد”، بعنوان “لمسات”، ليؤكد أنه يظل كعادته في كل مرة ملتزما بأسلوبه الأقرب إليه، وهو الانطباعي، قائلا “أنا أنتمي لهذه المدرسة الفنية، ومتمكن من أدواتها وتقنياتها، بالتالي يظهر ذلك الأثر في لوحاتي”.
عن لوحاته، قال إنها تبلغ 33، كلها في موضوع الطبيعة والتراث المعماري الجزائري، ليضيف “أعشق مواضيع الطبيعة، خاصة منها الصحراء، لذلك تجدها طاغية في لوحاتي، منها مثلا منطقة القنطرة قرب بسكرة، وعموما أنا ميال للاخضرار والزرع والماء عالم جميل يأسرني، كما تبرزه لوحة المروج، التي تتفتق فيها شقائق النعمان بمنطقة منعة بين بسكرة وباتنة “.
المياه العابرة
سألت “المساء” الفنان عن حضور المياه في لوحاته، فرد أن ذلك بسبب شغفه بانعكاس لونها وبريقها، مما يعطي اللوحة جمالا إضافيا وسحرا ظاهرا، زد على ذلك، فإن الماء هو عنصر الحياة، وهو لمسة من ذهب في اللوحة، وعندما انجذبت “المساء” للوحة فاتنة يمر في وسط دروبها الماء، أوضح الفنان بركات “إنها قرية بوخالفة وسط بسكرة، يقطعها الماء مارا عبرها بعد هطول الأمطار، وهذه السيول ذات المجرى المحدد، أرسمها قبل أن تجف، إنه منتهى الإبداع الرباني”.
كذلك بالنسبة لقرية شتمة ببسكرة، التي بها السواقي تشبه الفوقارات، وكل هذه الحياة الطبيعية الأصيلة تجذب ريشة الفنان لتلتقطها بحس مرهف، وعندما سألت “المساء” الفنان عن غياب العادات والتقاليد والناس المنتشرين هنا وهناك في اللوحات، رد أن ذلك كان مقصودا، فالمعرض للطبيعة وحدها وللتراث المعماري.
من هذا المعمار، رسم الفنان قصور منطقة شتمة المهملة، وأراد من خلال ذلك، أن يلفت إليها الانتباه، بالتالي ترميمها، كذلك القرية الحمراء بالقنطرة، ثم قصور مشونش، ليضيف “كما أنني أرسم تلك المعالم الآيلة للزوال كي أوثقها في لوحاتي، وكأنه نوع من الـتأريخ، كي لا تضيع معالمها وذكراها وتبقى حية”، ومن المعالم الجميلة التي رسمها، هناك مسجد سيدي ناجي ببسكرة، المصنف من “اليونسكو”، والذي أعطاه الفنان لمسة من النور والشموخ، تعكس قيمته التاريخية والروحية.
قال الفنان أيضا وهو يتجول مع “المساء” عبر المعرض “أنا أحب هذه الطبيعة وأستخدم فيها تقنياتي الفنية التي أملكها، وأحس أحيانا أنني لم أشبع منها، لذلك لا أكف عن زيارتها ورسمها، زد على ذلك، فإن الصحراء أصعب من حيث الرسم، وبالتالي ألتزم كفنان ودوما، بالإلمام بالمزيد من التقنيات لتجسيدها، إضافة إلى حضور الالهام كعامل أول في كل إبداع.”
من جهة أخرى، خصص الفنان بركات في هذا المعرض، جناحا للعاصمة كوقفة وتحية، وهي التي تحتضنه في كل مرة يأتي إليها زائرا من عاصمة الزيبان، ومن بين لوحاته عنها، هناك البريد المركزي وساحة الأمير عبد القادر بشارع العربي بن مهيدي والقصبة، وغيرها من المعالم التي تبرز فيها الألوان الزاهية والصافية صفاء زرقة السماء والبحر العاصمي.
حنين للذكريات
لوحات بركات في هذا المعرض ليست مجرد تصوير جامد وبارد يعكس الصورة، بل هي حنين متدفق لمضارب الطفولة والصبى، أو مشاهد عبرت الذاكرة وبقيت حية في الوجدان. تستمر الرحلة من مشونش إلى القنطرة، ومن حديقة لاندو إلى غابة بوخالفة وقرية شتمة، وغيرها بنظرة تتجاوز الراهن إلى الماضي، وكأن ذلك صياغة أخرى للتاريخ والجغرافيا. للإشارة، فإن فيصل بركات فنان عصامي، شق طريقه بتجربة ذاتية، مستلهما من المدارس الواقعية والانطباعية، ومن تجارب رسامين جزائريين وعالميين، أكثرهم عشق الصحراء الجزائرية، خاصة منها بسكرة وما فيها من أنوار وألوان وبهجة الحياة البسيطة.