السينما الجزائرية - الفلسطينية

"وقائع زمن الحصار" في آفاق برلين 2026

"وقائع زمن الحصار" في آفاق برلين 2026
  • 159
دليلة مالك دليلة مالك

يُرتقب أن يسجّل الفيلم الجزائري-الفلسطيني "وقائع زمن الحصار" ، حضورًا لافتًا في المشهد السينمائي الدولي بعد اختياره العرضَ العالمي الأوّل ضمن الاختيار الرسمي لمهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته القادمة الممتدة من 12 إلى 22 فيفري الداخل، ضمن مسابقة "آفاق" المخصّصة للأصوات السينمائية الجديدة، والتجارب الجريئة ذات الرؤية الفنية المتفرّدة.

الفيلم من إخراج السينمائي الفلسطيني عبد الله الخطيب، ومن إنتاج تقيّ الدين إسعاد (Evidence Films) وصلاح إسعاد (Issaad Film Productions)، بمشاركة المنتج والفنان سفيان زرماني (Fianso) عبر شركة Deux Princes Films. وهو عمل يستند إلى تجربة شخصية عاشها المخرج خلال حصار مخيم اليرموك، غير أنّه يحرّر هذه التجربة من إطارها الزمني والمكاني الضيق، ليجعلها تعبيرا إنسانيا ممتدا، يعكس التجربة الفلسطينية منذ النكبة وحتى اليوم. وتدور أحداث "وقائع زمن الحصار" في قلب مخيّم لاجئين فلسطينيين محاصَر، حيث تتبدّل ملامح الحياة اليومية، وتصبح أبسط التفاصيل معركة للبقاء. 

وفي ظلّ العزلة، والبرد، وشحّ الموارد، يجد الأفراد أنفسهم أمام اختيارات قاسية، تتقاطع فيها الضرورة مع الأخلاق، والخوف مع التضامن، واليأس مع لحظات إنسانية دافئة، لا تخلو أحيانًا من فكاهة سوداء بوصفها آخر أشكال المقاومة. ويعتمد الفيلم مقاربة سردية هادئة، بعيدة عن الخطاب المباشر، حيث يمنح مساحة للصمت، للنظرات، وللتفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تختصر المعنى الحقيقي للحصار. 

ومن خلال وجهة نظر فلسطينية خالصة، يلتقط العمل الروابط الإنسانية التي تصمد رغم الانتظار الطويل، والضغط المستمر، مقدّمًا صورة عميقة عن الإنسان حين يُجرَّد من كل شيء إلاّ من قيمه. ويندرج "وقائع زمن الحصار" ضمن إنتاج سينمائي جزائري طموح، جمع طاقات فنية من جنسيات متعدّدة؛ فلسطينية، وأردنية، وسورية، وجزائرية، في نموذج يعكس قدرة السينما على تجاوز الحدود، وبناء لغة مشتركة.

ويشارك في بطولة الفيلم ممثلون جزائريون بارزون، على غرار إيدير بن عيبوش وأحمد زيتوني، إلى جانب الممثل الشاب وسيم فدريش، أحد الوجوه الصاعدة في الجيل الجديد، الذين قدّموا أداءً يعتمد على الانغماس النفسي واللغوي، خصوصًا في التعامل مع اللهجة الشامية، ضمن سياق درامي شديد الحساسية. وقد صُوّر جزء كبير من الفيلم في مدينة باتنة، بفريق تقني جزائري، بينما استفاد العمل من دعم وزارة الثقافة والفنون في مرحلة ما بعد الإنتاج.

وفي منشور له على صفحته الخاصة في الفايسبوك، أكّد منتج الفيلم تقيّ الدين إسعاد أنّ هذا العمل هو ثمرة ثلاث سنوات من العمل الشاق، تخلّلتها مراحل من الشكّ، وإعادة الكتابة، والتصوير، وما بعد الإنتاج، مشيرًا إلى أنّ الفيلم حمله فريق مؤمن بالمشروع، وبقيمته الإنسانية. وأضاف أنّ الفريق ضمّ متعاونين من الجزائر، وفلسطين، والأردن، ولبنان وأوروبا، جمعهم شغف واحد بالسينما، موجّهًا شكره لكلّ من ساهم في إنجاز الفيلم أمام الكاميرا وخلفها، وللمخرج عبد الله الخطيب على دقّة رؤيته، وقوّة نظرته السينمائية، ولصلاح إسعاد الذي كان حضوره حاسمًا في وجود المشروع، ولـ«فيانسو" الذي انضمّ في لحظة صعبة، ومنح الفريق دعمًا معنويًا مهمّاً.

ورأى إسعاد أنّ اختيار الفيلم في مهرجان برلين السينمائي هو اعتراف جماعي لا يمحو الواقع، لكنّه يسمح لهذه القصص بأن توجد وتُروى على الساحة الدولية، إذ يُعدّ مهرجان برلين السينمائي من أبرز التظاهرات السينمائية العالمية المعروفة باحتضانها للأعمال ذات البعد الإنساني والسياسي. ويأتي اختيار "وقائع زمن الحصار" ضمن قسم آفاق، ليؤكّد مكانته كعمل يراهن على اللغة السينمائية، لا على الشعارات، ويمنح صوتًا لتجربة فلسطينية لاتزال تنبض بالحياة رغم الجراح.

ومن جهته، عبّر الممثل الجزائري إيدير بن عيبوش في حسابه على الفايسبوك، عن فخره الكبير بالمشاركة في فيلم "وقائع زمن الحصار"، واصفًا التجربة بالاستثنائية على المستويين الفني، والإنساني. وأكد أن تجسيده هذا الدور شكّل تحديًا حقيقيًا، لا سيما من خلال الأداء باللهجة الشامية داخل سياق درامي شديد الحساسية، مشيرًا إلى أنّ العمل مكّنه من الاقتراب بعمق من التجربة الفلسطينية، ومعايشة تفاصيلها الإنسانية.

وأضاف بن عيبوش أنّ الفيلم، رغم قسوته، يحمل قدرا كبيرا من الصدق والكرامة، ويعكس رؤية المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب الذي قدّم عملًا جزائريا-فلسطينيا قويا، ينبض بالالتزام الفني والإنساني، معتبرًا أن المشاركة في مهرجان برلين السينمائي تشكّل محطة مفصلية في مسار الفيلم، وفرصة لوصول هذه القصة إلى جمهور عالمي.